محاولاتٌ للكتابة، من أجلِ الحياة.

مرحبًا، ربما سأبتدئ في قابلِ الأيام الكتابةَ والنشرَ بشكلٍ متكرر، سأحاول أن أكتبَ بعضًا من اليوميات والتدوينات البسيطة، التي سأكتبها في محاولةٍ مني للعودةِ لممارسةِ ما أحب من جديد.

سأحاول الكتابة، أولًا كعلاجٍ للنفسِ، ولترتيبِ الأفكارِ والذهن، ومحاولةٍ لاستكشافِ رؤًى جديدة تجاه ما أمارس، وما أفعل، فالكتابةُ علاجٌ بشكلٍ ما او بآخر، وتعبيرٌ بالغٌ عن الذاتِ وما يتخللها من اختلاجات.

كانتِ الأعوامُ الماضية مرهقةً جدًا على شخصي، ومُتعبةً نفسًا وجسدًا، وشقيةً على روحي التي لا تهدأ، فلربما من خلالِ العودة والتجرؤ على الكتابةِ سأكونُ قادرًا على الوصول، إلى اتزانٍ جديد، ورؤى مختلفة للحياة،

لطالما، نحتُّ في نفسي مفردةَ التجاوز، ولطالما أخذتُ أدرّبها على أن تكون أشدَّ قوةً وصلابةً في مواجهةِ الألم، ولطالما حبستُ الدمعَ وكتمتُ التناهيد، لأكون أقوى، وأن أستطيع العيشَ سعيدًا رغيدًا، ولطالما اعتقدتُ أني قادرٌ على أن أفعلَ هذا رغم مرور الزمن.

مرت أعوامٌ منذ أن كنتُ بتلك الصلابة، واحتالت قوّتي مصدرَ ضعفي، وثغرةً في جدارِ روحي المعقدة الثائرة، أصبحتُ سَهلَ المنال، وغيرَ قادرٍ على أن أكون أكثر شدّةً وقوة، وأمسيتُ منهارًا متأملًا، مبتلدًا، لا يقوى على دفعِ الألمِ عن روحه.

لا زلتُ أتذكر تلك اللحظةَ الفارقة، تلك اللحظة التي وقفتُ فيها قائلًا لأحدهم:”هذه طبيعتي، وهذا أنا، كنتُ أعتقد أن هنا في هذا المكان من يشبهني.”، في تلك اللحظة لتوي أدركتُ كم كُنتُ مكروهًا، مُستبعدًا، وعدتُ مجددًا لغربتي المستمرةِ الطويلة.

لطالما تهرّبت من الوقوفِ أمام الناس، ولطالما رغبتُ في الاختفاء، وألا أظهرَ أمام أحد، في العائلةِ الصغيرة يرونها كِبْرًا، وفي من خارجها يرونها “عجرفةً” و”قلة أدب”.. وأما أيها القارئ، ما سبب كُل هذا؟ فسببهُ بسيط، لأني أولًا كارهٌ لذاتي، ولما أنا عليه، ولأني ثانيًا لا أهتمُّ بما يهتمُّ به غالبُ الناس، ودومًا ما أكون في برجٍ عاجيٍّ بعيد، أمارسُ اهتماماتي الصغرى بمنأىً عن الجميع، أمارسها حُبًا فيها، ولأني فقط أفعلها لأنها تهبني المعنى الذي أنشد، المعنى الذي يهبني القوّة والقدرة على الحياة.

ما المعنى الذي أنشد؟ المعنى بسيط، حبٌ للحياة، واستمتاعٌ بالأفعال والأقوال، وبحثٌ مستمرٌ عن الخلودِ المتجاوز، بحثٌ عن التكوين النفسي، والشخصي، الذي يجعلني حيًا بعد الممات، لا لشيءٍ، إلا لأنه كان مختلفًا، ترى اختلافه من بعيد، ولم يكن قطُّ منتميًا إلى أحد، بل كان منتميًا إلى كيانه الشخصي، وأناهُ المتوجّدةَ التي لا تهدا، فهو ومنذُ أن ولد في رحلةِ بحثٍ عن أناه وذاته، لم ينهيها قط حتى بعد موته.

مررتُ على أماكن متعددة، زرتها مؤخرًا، وأنا الذي زرتها أعوامًا عديدة، الأماكن ذاتها، لكن الروحَ ليست كما في السابق، والأفكارُ تبدّلت كثيرًا، والأحوالُ أيضًا. لكن، لكن، لا زالَ ذلك البحثُ المستمرُّ عن النفسِ قلقًا، هَلِعًا، مضطربًا، لا زالت تلك الساعة تتحرّك ببطء، يرافق كل حركةٍ رجفةٌ من رجفاتِ الروحِ التي لا تفتأ في تذكّر ماضيها البعيد، وتتساءل: هل كانت يومًا على خطأ؟.

لطالما أرهقني هذا البحث، كنتُ أخالُ أنها مرحلةٌ من العمر وستنقضي وسأجدُ تلوًا ذلك الخلاص الأبدي منه. كنتُ أظن، كنت أعتقد. لكن، ذهب كل شيء، وبقي ذلك البحث، اختفى كل شيء، وبقي ذلك البحث، تبدل كل شيء، وبقي ذلك البحث.

إن هذا البحث، قلقٌ وجودي، وبكاءٌ في الداخل، ورغبة، رغبةٌ في أن أرى، وأبصر. ما الذي أريده؟ ما الذي أوده؟ تتعاركني الحياة، وتتعاركُ في صدى روحي أصواتُ النداء، أسمع العِرَاك والصُراخَ، لكن لا أرى، لا أبصر.

لطالما سُئلت: لِمَ هذه العزلة؟ ولِمَ هذا النأي والابتعاد؟ ولطالما قلتُ بداخلي: إن الطريق طويل، والخروجُ مؤذٍ، وأحايلُ النفسَ وأدافعها، بحثًا عن مهربٍ واطمئنان، بحثًا عن عذرٍ كي لا أصدمَ بأنه هذا أنا، وهذا ما أنا عليه الآن، وهذا ما استطعتُ فعله في الحياة.

عمري، بضعةٌ وعشرون عامًا، نشأتُ في قريةٍ صغيرةٍ، وأمني النفسَ بالانتقالِ منذ الطفولة، ولا شيءَ أرحبَ على صدري وأجمل من تلك الزيارة الصغيرة لأبحر، وحُب الحياةِ التي فيها قسطٌ وافرٌ من الحريّة التي تجعلُ المرء يعيشُ أناه التي يحب. عشتُ على أملٍ بأن أكون هناك يومًا، وبأن أسافرَ بكثرة، وأن أكون كما كان. عشتُ، أؤمّلَ النفس، وأشدُّ من أزرها لتتقوّى على لحظةِ الخروج، وأن تكون كما أرادت.

عشتُ، متسائلًا: ما الذي سأفعله؟ ما الذي سأكونه؟ قررت، في مرحلةٍ مبكرةٍ من الحياة أن أعتزل، وأن أبني، وأن أدرّبَ النفسَ على أن تكون متفردةً نائيةً عن الأحداث، أن تمسكَ الكِتَاب، وتقرأ بنَفَسٍ ينفثُ في الروحِ أملَ المُستقبلِ البعيد، المُستقبلِ الذي يكون مجدها الذي تبحثُ عنه، وحياتها التي تُحب وتشتاقُ وتتمنى.

مرّتِ الأعوام، وانقضتِ السنون وأهلها، وبدأتُ أتلامسُ ما أحب، وما أود، بدأتُ أجني الثِمَارَ مع بعضٍ من الخيبة، وقليلٍ من الصدماتِ هُنا وهناك. لم يكن الأمر بسيطًا، هيّنًا، ليّنًا، عرفتُ ديارًا لم أزرها أكثر من زوّارها، وفهمتُ أمورًا غابت عن صاحبها وكنتُ مغيَّبًا عنها. وفي كل مرةٍ، أشدُّ على أزرِ نفسي، وأتمنى لو تتبدّلُ الأقدار يومًا ما بشكلٍ أفضل.

أُحبُّ من الحياة أمورًا جمّة، أمورًا لم يسعني يومًا ممارستها، كنتُ أراقبها من بعيد، عرفتها وحفظتُ تفاصيلها، وتهوّستُ بها، حتى أصابتني ثمالةٌ دون افتعالها. وحين الفعلِ، تجاذبتُ أطرافَ نفسي ألمُّها من فرطِ لذّتها بالحياة، وأخذتُ آوي بنفسي بعيدًا عن الأعين، وكم كنتُ فاشلًا في هذا. فلم أكن أقوى على حراكٍ، ولا تخفٍ، ولم أكن أقوى على ألا أكون أنا، أنًا بالغةً في التلذذ بما تحب.

قرأتُ للناسِ الكِبارِ صغيرًا، وآنستُ من كل مدرسةٍ درسًا خلّدتهُ في صدري ولم أدعه يغادرني، أمسكتُ بالتفاصيل ونحتُّها على جدارِ أنايَ، وتركتُ شيئًا بعيدًا في التيه، بعيدًا يبكي، علَّ الماءَ يتفججُّ من تحت أقدامه، فيُرى في التاريخِ علامةً.

لطالما أحببتُ قِصصَ النبوّة، قِصَصَ التجرّد والابتعاد، والمخالفةِ والنأي والانعزال، لطالما قرأتها وأحببتُ سماعها، حُبًا في أن أصحابها: كانوا يعيشون النأي، والهجرَ، وكانوا تِلوَ ذلك في الأرضِ قَوَامَا، تجرُّد إبراهيم، وابتلاء يوسف، وتوبةَ يونس، وشقاء عيسى، وخوفَ موسى.. كل ذلك، كان في أعوامٍ طويلة، وكانت سلامةُ القلبِ، ورقّةُ الروحِ، ودَمْثَ الخُلق هو الطريق، لا شيءَ آخر.

لا يعلمُ الناسُ خفايا الناس، ولا يرى الآخرُ إلا ما ظهر من الآخر، لربما كانت هذه نعمةً من نعمِ الله على البشر، أن أخفى عنهم سوءاتِ بعضهم، كي يستقيموا مجددًا، ويستمرُّ في أعينهم بريق الحياة، وليستقووا مجددًا على كونهم إنسًا، وبشرًا.

أخيرًا، هذه أفكارٌ متطايرات، شكّلتُها رغبةً في أن أتحدث، وأنطق، وأن أعبّرَ عن الأنا مرةً أخرى، وليس من غرضٍ خلفها ولا بيان، والسلام.

في العلوم، والشخصيات، والواقع.

سأحاول هاهنا، تخليصَ أفكارٍ تجولُ في خاطري منذ وقتٍ طويل، ربما لم تصل بعد إلى مرحلةِ النضج، لكن سأحاول من خلال الكتابة أن أصل بها إلى ما أقصى ما أستطيع فعله في هذا الوقت.

ما الذي نبحث عنه حينما نعمل في العلوم؟ وما الذي يجعل الإنسان يستمرُّ في البحثِ والتقصّي؟ إن الإجابة على أسئلةٍ كهذه، مهمّة وأساسية لمن يودُّ أن يدخلَ غِمارَ العلوم، فبدون معرفة إجابةٍ واضحةٍ وصريحة، قد يذهبُ الإنسان إلى أبعد مما يجب، وقد يكون جميعَ فِعلهِ وعَمَلِه لا يمتُّ للعلومِ ولا البحثِ العلمي بصلة.

إن الدافع الأساسي الذي يحرّك العَالِمَ، أهمُّ بكثيرٍ من مقدارِ ما يعلم، ونيّتهُ المبطّنة أهمُّ بكثيرٍ مما نشرَ أو قالَ وفعل، لأن هذا الدَافِعَ هو حجرُ الأساسِ لكلِّ ما سيفعله، وما سينتُجه، وأيضًا سيكونُ هُوَ المعيارَ الذِي سيُحكم عليه في المجالِ والوسطِ العلمي، أخفاهُ أم أظهره، سيكون واضحًا في أعماله، وسيعرفُ أقرانه لأي اتجاهٍ هو ذاهب.

ترتبطُ العلوم ارتباطًا وثيقًا بالمرحلةِ التاريخيّة أولًا، وبالشخصيّة ثانيًا، فأما ارتباطها بالمرحلةِ التاريخية، فهو ارتباطٌ بمقدارِ المعلومات المتوافر، وبمحلِّ النقاشِ والردِّ في ذلك المجتمع، لأن ظهورَ الأفكار العلميّة لا يتمُّ في مجتمعٍ لا زالَ أفرادُه يبحثون عن لقمةِ العيش، أو يعانونَ من استبدادٍ فكري في تلك المرحلة من التاريخ، وبطبيعة الحال لا يمكن أن تظهرَ الأفكار دونما حاجةٍ إلى ظهورها، ومن تتبع السياق التاريخي للعلوم، سيجد أن كثيرًا من الاكتشافات العلمية كانت المرحلة التاريخية تفرضها بنفسها، أي أنه في تلك اللحظة من التاريخ كان لابد أن يظهر ذلك الاكتشاف على يد شخصٍ ما، لأنه في تلك المرحلة من التاريخ توافرت الظروف والأدوات للوصول إلى ذلك الاكتشاف.

ومن المهم أن تتوافر في تلك الحقبة من التاريخ أدوات العلوم في ذلك المجتمع، فلن تظهرَ العلوم في بلدٍ لا زال أهله غير قادرين على القراءة والكتابة، أو حتى أنهم لا زالوا بعيدين عن مراكز الأبحاث، فالاكتشافات العلمية تراكمية، ولا يمكن أن يأتي شخصٌ ما من خارج السياق التراكمي بمعرفةٍ جديدة، لأن استدلاله على هذه المعرفة سيتطلب منه إلمامًا بأمورٍ سابقة في السياق التراكمي أو لن يؤخذ بقوله، ويضرب بما لديه عرض الحائط. وموضوع السياق التاريخي للمعرفة وحال المجتمع، فيه إطالة وحديثٌ طويل لا يسع المقام هنا لنقاشه.

وأما ارتباطها بالشخصية، فهو ارتباطٌ ناتجٌ عن الفكرة التي يحملها صاحبها، وهذا عائدٌ إلى طبيعة الشخصِ ذاته، وأسلوبه، ونظرهِ للأمور.

فهناك شخصيّات تبحث في الأشياءِ بحثًا فلسفيًا محضًا، وتنظرُ للأمورِ نظرةَ الفاحص الباحث عن ماهيّاتِ الأمور أكثرَ من أي شيءٍ آخر، وهؤلاء هم الفلاسفة وهم على أقسامٍ وأشكالٍ ومذاهب وأنواع، لا يخفى على أدنى مطلعٍ معرفة ذلك، وهؤلاء هم في العادة من إذا دخلوا في الاكتشاف، كانت بيدهم الثورة المعرفية، واختلاف الأمور بعدهم عمّا قبلهم.

وأما الشخصيات الباحثة في الاكتشاف، ستجد أصحابها ميّالين إلى اتجاهين: العام والخاص، فالتي تبحث عن التعميم، ستجد صاحبها يحاول أن يرى من الأعلى، وأن يخرجَ من الحالاتِ الخاصة إلى أمورٍ أعمٍ وأشمل، لا يرضى بأن يرى ما بين يديه كافيًا للعملِ على حالاتٍ خاصة، فهو يريد أن يكون شاملًا، عامًا، على خلافِ ذلك الشخص الذي سيهتم بالتفاصيلِ ويبحث عنها، سيهتمُّ وبشدة بأن يكون ما بين يديه يعملُ بدقةٍ وبوضوح، وأن يراعي كل حالةٍ وتفاصيلها، وألا يخلَّ وينسى شيئًا بسيطًا، وهذه هي الشخصيات التي ستعمل في الاكتشاف ذاته، وكلاهما سيكمل الآخر.

وأما الشخصيات التي تكون وسيطًا ناقلًا للمعرفة، فهذه الشخصيات تهتمُّ بالشرحِ، وبإخراجِ العلوم من تعقيدها العام وتفصيلها الخاص، وإظهارها بعباراتٍ بسيطة لا يحتاج قارئها إلى معارف مسبقة لفهمها، وغالبًا ما يكون هذا النوع من الشخصيات في المدارس وفصول الجامعات، وهم أفضل اﻷشخاص قدرةً على الوصول إلى عامّةِ الطَلَبَة.

وأخيرًا، هُناك تلك الشخصيات التي لا تعدو عن كونها مطلعةً، وتنقلُ إطلاعها إلى العموم بلغةٍ قاصرةٍ تخلُّ بطبيعة العلم ذاته، وهؤلاء عادةً هم أصحاب الـ Science Fiction والـ Pop Science، وهؤلاء بطبيعة الحال معرفون في الوسط العلمي بأن كلامهم لا يؤخذ به.

لهذا، يجبُ على من ينوي دخول المجالَ العلمي، أن يرى نفسه في أي شخصيةٍ هو، ولأي فعلٍ هو مقدم، وما الذي سيفعله ويقوله، فهل سيكون فيلسوفًا أم مكتشفًا أم ناقلًا أم مزيفًا؟، ولا مَرَاتِبَ هُنا ولا ترتيب، لكن هو نمط تاريخي، موجودٌ منذ بدايةِ الخليقة في الناس، وأي قارئٍ ومطلعٍ على كتبِ التاريخ سيجد هذا التنوّع، في أي مجالٍ علمي، رياضي أو فيزيائي، أو حتى اجتماعي،

هذه إجاباتٌ محتملة لسؤال: “ما الذي نبحث عنه حينما نعمل في العلوم؟”، أما السؤال الآخر، “وما الذي يجعل الإنسان يستمرُّ في البحثِ والتقصّي؟”، فهو سؤالٌ أرى أنه يرتبط بإجابة السؤال السابق، فالسؤال السابق إجابةٌ عن “نقطة البداية”، وأما إجابة هذا السؤال فهي إجابة عن “الاستمرارية”، فكثيرٌ من يبدأ وقليلٌ من يستمر، لذلك يجب على الباحث الإجابة على هذا السؤال لضمان استمراره في العملية، أو سيكون جهده جهد لحظةٍ عابرة.

إن الجواب على دافعِ الاستمرار، مرتبطٌ بأمورٍ متعددة، منها ما هو شخصي، وما هو اجتماعي، وما هو مادي، وما هو سياسي، فالبعضُ قد يستمرُّ فضولًا ومعرفةً، بحثًا عن إجابةٍ لأسئلةٍ في نفسه، وبحثًا عن ما يجعله في حالةِ الرضا تجاه المواضيع التي يعملُ عليها، وهذا في رأيي المتواضع ما يجب على الباحث العلمي أن يكون.

والآخر، يرى في العلوم والعمل فيها تحقيقًا لإصلاحٍ اجتماعي، أو أجندةٍ يعمل على تحقيقها ليأخذَ بالناسِ إلى ما يريد، أو ربما لأجلِ تحقيقِ مكانةٍ اجتماعيةٍ معينة، كأن يمتلك لقبًا، أو منصبًا، أو يتقرب من جاهٍ أو سلطة، فدومًا على مرِّ التاريخ كانت العلوم شقيقة السلطة، وبينهما أخذٌ ورد، وخلافٌ ومصالحة.

وربما يرى البعضُ العلوم كمصدرٍ للدخل، ولا ضررَ في هذا ولا حرج، على ألا يُخلّ بالأمانةِ العلمية، وربما أخذ البعض ما امتلك من تلك العلوم كصنعة، وهذا هو في حقيقة الأمر ما يفترض بالعلوم أن تفعله في المجتمع: أن تهب لمتعلمها صنعةً يأكلُ منها، ويفيدُ بها الآخرين، وينهضَ بحياةِ الناس.

وأخيرًا، فأما الجانب السياسي فيظهر جليًا حين النظر إلى مستوى الدِول والحكومات، فمن يعرف كيف يشطرُ الذرة، سيستطيع أن يفعل ما فعلته أمريكا في هيروشيما، ومن يعرفُ كيف تعمل الأشياء، سيكون قادرًا على استخدامها لغير ما صممت له، لهذا فالمعرفة والعلوم على مستوى الدولة تكون قوةً سياسية بالإمكان أن تغيّر العالم، والاستمرار فيها يعني استمرارًا للقوّةِ والغلبة.

ونهايةً، في عالمنا العربي، لا زال أمامنا طريقٌ طويل للوصول إلى مرحلة البحث العلمي، ولا زلنا بعيدين جدًا عن نقل العلوم واستيرادها، فضلًا عن الاشتغال بها، لا زلنا دولًا تستخدم، لا تنتج، وليس هذا لعيب فينا، بل لأن المرحلة التاريخية التي وجدنا فيها تقتضي هذا، ولا زال الدربُ طويل، لكن الأملَ في المستقبل كبير.

  • فارس، التاسع والعشرين من شهر مايو، لعام 2020.

عن التعلم، واختلاف النظرة

انشغلتُ الأعوامَ الماضية بأمورٍ متعددة، ورافق هذا الانشغال تغيّرٌ في الحياة، وفي وجهات النظر أيضًا، ابتدأ انشغالي في 2016 تحديدًا بالحاسب، في تلك الأيام كنتُ أمرُّ بوعكاتٍ صحية لم تسمح لي بالذهاب إلى الجامعة مثل أقراني، لذلك قررت أن أبدأ في قراءة وتعلّم الحاسب بشكلٍ أكاديمي مُمنهج ذاتيًا، آنذاك قمت بفتح خطة قسمِ الحاسب في جامعة الملك سعود، وقرأتها، وقررت منذ ذلك الحين البدأ في تعلّم المواضيع ذاتها، بحيث أن أكتسب ذات التصور الذي يتخرج به طالب الحاسب، إن لم يكن أفضل.

في ذلك الحين، كثير من الأمور في الحاسب كانت صندوقًا أسودًا بالنسبةِ لي، أعطيهِ مدخلات ويخرج لي مخرجات، دون أن أكون على علمٍ بما يحصل في الداخل، ولا حتى أي تصورٍ بسيطٍ ساذج.

ابتدأت رحلةَ التعلم بالـ Data structure’s And Algorithms، وختمتها بـ Computation Theory مؤخرًا، أثناء الرحلة كانت هناك علامات استفهامٍ كثيرة عن فائدة هذه المواضيع، ولماذا عليّ أن أعرفها ،كثيرٌ من التساؤلات كانت تدور بخاطري آنذاك، مثلًا: بماذا ستفيدني الـ Binary Search في بناء موقع؟ أو بماذا سأستفيد من معرفة الـ Stack وخصائصه؟ هل هذا الـ Stack سيعطيني المقدرة على تشغيل سيرفر مثلًا؟.

كانت هذه الأسئلة، لا تنفكُّ عن أن تعكّر صَفوَ مزاجي، وتحثّني على أن أترك هذا الالتزام وهذا الطريق الذي اخترته، وأحمد الله الآن بعد أعوام أنني لم أستمع لتلك الوساوس!، فبعد سنوات من العمل، والخبرة، والقراءة، أدركت أن تلك المواضيع كانت بمثابة الآلة التي تؤهلني ليس فقط لبناء موقع جميل ورائع، بل ستخبرني كيف يعمل كل شيء، وستهبني القدرة على إصلاح مشاكل متعددة، دون الحاجة إلى أن أعرف التفاصيل التقنية Technical details الخاصة بكل تقنية، بل فقط بالاعتماد على معرفة مفاهيم بسيطة وبحث يخص كيف يطبق ذلك المفهوم في تلك التقنية، وسأستطيع حل المشكلة.

تلك المواضيع، لم تتضح لي أهميتها في ذلك الوقت، بل اتضحت وفهمتها جيدًا حينما اجتمعت بعد مدة مع بعضها البعض، مكونةً تصورًا عامًا، على هيئة أدوات للتعامل مع الحاسب وأفكاره بشكلٍ عام. وبرأيي، هذا هو الهدف من التعلّم.

التعلّم عمليّة معقدة، لا زلت أحاول فهمها يومًا تلو آخر، لكن ما لمسته وما وصلتُ إليه، أن صُلبَ عمليّة التعلّم هو التأثّر، والمرونة في تقبّل الجديد والمُستحدث، ومن ثم تنمية هذا التأثر والجديد وممارسته لوقتٍ طويل، حتى يُصبحَ جزءًا من كيانِ المتعلّم. ربما خيرُ دليلٍ على ذلك هو عملية تعلّم القراءة والكتابة عند الطفل، كيف أنه في بادئ عمره يعاني ويتعب لأجل قراءة أو كتابة حروفٍ بسيطة بلغة من حوله، وما إن يكبر قليلًا تصبح تلك الحروف جملًا، فمقالًا، فكتابًا وهكذا.

ومما شدَّ انتباهي في كل ما تعلمته، أنه دومًا ما تكون البداياتُ بسيطةً جدًا، ومن ثم يظهر التعقيد مع مرور الزمن والانغماس في موضوع التعلّم، حتى أصبح بعد رحلة طويلة، قادرًا على التعامل مع أمور يراها من حولي غامضةً ببداهةٍ وسلاسةٍ يستغربونها. ولا زلت أتذكر ردّة فعل أحدهم بعد إرساله شفرة بسيطة استغرق في محاولة إصلاحها وقتًا طويلًا، وأصلحتها له في دقائق: كيف فعلتها؟!، والموقف ذاته حصل في إحدى اجتماعات العمل، فتحت إحدى الشفرات وأخذت أقرأها، والذي بجانبي: كيف لك أن تفهم هذا يا فارس!، في كلا الموقفين قلت في نفسي: استغرق الأمر مني أعوامًا لأصل إلى هذا المستوى، ما بين قراءة وكتابة وبحث وتقصي، وليس وليد لحظة، أنت الآن فقط ترى النتيجة بعد رحلة تعلمٍ طويلة.

لطالما تساءلت، ما الذي جعل هؤلاء غير قادرين على أن يروا ما أرى؟ وبشكلٍ عام، ما الذي يجعل من يعرف يرى أمورًا لا يراها من يجهل؟، ربما كانت الإجابة ببساطة: توافرُ المعلومات لدى العارف، يمنحه القدرة على الاستدلال، للوصول إلى نتيجة. على خلاف من يجهل، فلا يوجد في ذهنه أي معلومة تساعده في أمره ليتمكن من الاستدلال والوصول إلى نتيجة، لذلك فهو في تلك الحالة يحاول بشكلٍ عشوائي، غير منظمٍ وممنهج، مما يجعله عرضةً للخطأ أكثر من الصواب، وربما إن أصاب في تلك اللحظة فلن يقدر على شرح سبب إصابته بشكل واضح.

عملية التعلم عملية بنائيّة، لا يمكن أن يصبح الإنسان عالمًا من الوهلة الأولى، بل سيحتاج إلى أن يُؤسس ويبنى بشكلٍ سليم على طول رحلة التعلم، وإن حدث خللٌ ما في هذه الرحلة، سيجد بعد فترة أنه يواجه صعوبة في أمورٍ متقدمة، ليس لأنها “صعبة”، بل لأنه لم يمتلك الأدوات الكافية لفهمها، فهذه الأمور المتقدمة استحدثها أناس كانت أدواتهم أقوى من الأدوات التي يمتلكها، لهذا فهو بحاجة إلى العودة إلى أدواته ويقويها ليتمكن من تلك الأمور المتقدمة، فهو كمن يريد تسلّق جبلٍ ذا جرفٍ حاد، وهو لا يملتك حبالًا قوية ولا دعّاماتٍ صلبة، تمنعه من السقوط.

هل هدفُ التعلّم هو التعلّم وحسب؟ لا أرى ذلك، بل أرى أن الهدف من التعلّم هو بناء الشخصيّة والأسلوب الخاص، أي أنني لا أقرأ الكتاب لأقرأه وحسب، بل لآخذ من أفكاره، وأستفيد من أسلوبه، وأتأثّر به، وأضيفَ ما أراه جيدًا إلى صندوق أدواتي الشخصي، لأستخدمه في الموقف الذي يناسبه، وأحيانًا يكون المزج بين الأساليب المختلفة جيدًا، لا زلت أتذكر حينما فتحت كتاب Donald Knuth الموسوعي The Art Of Computer Programming، ووجدت نكاته وسخريته المعهودة، وسط كتاب تتوقع منه أن يكون ممتلئًا بالشفرات الغيرمفهومة، والمعادلات الرياضية الجافة، وأعجبت جدًا بأسلوب كتابته للـ Euclidean Algorithm في صورة “خوارزمية” ذات ترتيب مرقّم بدلًا من صيغة رياضية جبرية، كانت أمرًا جميلًا بحق.

وأعتقد أنه لهذا السبب يكون نتاجُ المطَّلع، مختلفًا عن نتاج من هو ليس كذلك، لأنه حينما اطلع وألمَّ، أدرك أن هناك كثيرًا من الأمور التي ينبغي مراعاتها، وأنه بالإمكان التحسين هنا وهناك، لأنه يمتلك في جعبته مخزونًا من الأفكار التي يستطيع انتقاء الأفضل منها للموقف، على خلاف صاحبنا الذي لم يرى، ولم يعلم.

هل القراءة لوحدها كافية للتعلّم؟ لا أعتقد ذلك، بل التجربة، والكتابة، والمغامرة، وأخيرًا الشخصية لها أثر كبير في التعلّم، فأحيانًا الموضوع نفسه لكن ردة الفعل تجاهه تختلف من شخصين عالمين، خذ التاريخ موضوعًا والمسعودي وابن خلدون مثالًا، فالثاني يعيب على الأول أنه قرأ التاريخ قراءة أحداث ولم يقرأه قراءة الباحثِ عن النواميس والقوانين، أنتجَ الأول كتبًا ممتلئةً بالأحداث، والآخر أنتج مقدمةً تكفي قارئها عن معرفة الأحداث، وربما بلغة العصر الحديث كان الأول لديه المعلومات، ولم يكن لديه القدرة على بناء النموذج Model، بينما الثاني استطاع بناء الأخير.

وأخيرًا، لا يمكن للمرء أن يتوقف عن التعلم، فهو في كل يومٍ يواجه أمرًا جديدًا إلى حين مماته، وربما -وهذا أمرٌ مضحك، لكنه قد يكون صائبًا- أنه بالإمكان القول أن عدد المعلومات التي في العالم Uncountable، ففي كل يوم، يحدث حدثٌ جديد، يعلمه من علمه من الناس، ويجهله من جهل. ولا أقول هذا القول تحقيقًا علميًا بطبيعة الحال -مع أنني أعتقد أنه ربما قد يقود هذا الاعتقاد إلى إثبات أن الـ General AI مستحيل، لكن الأمر فيه تفصيل طويل، وكتابة لا يتحملها المقال-.

وفي كل مرة يعلم الإنسان شيئًا، تتفتّح في نفسه وذاته أبوابٌ جديدة، يسترشدُ بها طريقه في هذه الحياة، وتختلف بها أفعاله وتصرفاته، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، وقل ربّي زدني علما.

  • فارس، السابع والعشرين من مايو، لعام 2020، خواطر عن التعلم ليس إلا.

في الزُمر In Groups

سأتناول في هذه المقالة الزمر Groups في الرياضيات، من ناحية حدسية بعيدة عن الناحية الأكاديمية الدرسية، فليس المُراد من هذه المقالة تعريف القارئ على الزُمرة، بقدر ما أنه دراسة فكرية للزمرة وما تتحملها من معاني كما أفهمها، وقد أصيبُ وقد أخطئ.

بدايةً ما معنى الزمرة؟ لنطّلع على المسلمات، ولنحاول فهمها وتفكيكها، وفهم ما يقتضي عنها، سنجد في غالب الكُتب ما يأتي:

نقول عن \((S,*)\) بحيث أن \(S\) مجموعة Set ، و \(*\) عملية عليها، إذا تحققت المسلمات الآتية:

  1. مسلمة الإغلاق، ونعني بها أن العملية \(*\) ناتجها دائمًا في داخل المجموعة \(S\)، أي أن هذا النظام مغلق تحت تأثير العملية ولا يمكن أن ينتج من تطبيق العملية عنصر خارج عن هذا النظام، تصوّرها كصندوق مغلق، إذا أخذت أي شيئين فيه، و”مزجتهما” ستجد ناتج المزج موجود لديك سابقًا في الصندوق، أو ربما كنغمتين صوتيين مختلفتين، إذا وصلتهما خرجت لك نغمة في ذات مجموعة النغمات، نستطيع القول وإجمالًا: أن العملية لا يمكن أن تعطي شيئًا خارجًا عن المجموعة، بل دائمًا ما تعيدنا إلى عنصرٍ في المجموعة.
  2. مسلمة التجميع \(Associative \space Law\)، ونعني بها بشكلٍ مختصر، أنه لو أخذت أي عدة عناصر في المجموعة وطبقت عليها العملية ذاتها، فترتيب تطبيقك للعملية على العناصر لن يغير النتيجة أبدًا، فلو كانت لديك 3 عناصر، فهناك \(3!\) طرق لتطبيق العملية، وفي كل هذه الطرق ستكون النتيجة دومًا واحدة، نستطيع اعتبارها كأن تأخذ 3 كتب لها متساوية الخصائص: أي لها نفس العنوان، والطبعة، والغلاف..الخ، وأردت ترتيبها على الرف، فبأي ترتيب وضعتها، سيبقى الشكل ذاته دومًا، أو أردت أن تفتح عدّة أبواب متعاقبة في بناء لفتح مسار، فبأي ترتيب بدأت بفتح الأبواب(من داخل البناء أومن خارجه)، فالنتيجة دومًا واحدة: الأبواب جميعها ستكون مفتوحة، وسيكون المسار مهيئًا للمشي فيه.
  3. وجود عنصر محايد \(Identity\)، ونعني به العنصر الذي حينما نأخذه مع عنصر آخر ونطبق عليهما العملية، فالعنصر الآخر لا يتغير، بمعنًى آخر: لا تأثير له على العناصر في هذه العملية، فمثلًا، لو أخذنا مجموعة مجموعة زوايا التدويرات الممكنة للأشكال Rotation، وأردنا أن “نجمع” زاوية تدوير \(x\) مع ما مقداره الزاوية \(0\) ، فسيكون الناتج دومًا الزواية \(x\)، لأن الزاوية \(0\) تعني أنه لا تقم بفعل أي شيء، فبالتالي لا تأثير لها على عملية الجمع بين زوايا التدوير، وبالمناسبة التحويلات الهندسية Transformation تحتوي على أمثلة كثيرة لبُنية الزمرة.
  4. وجود عنصر نظير \(Inverse\) لأي عنصر في المجموعة، وما نعنيه بهذا، هو أنه لأي عنصر يوجد دومًا على الأقل عنصر آخر حينما نطبق عليهما العملية سينتج المحايد، أي أنه يعيد العنصر إلى حالة الحياد، فمثلًا إذا اعتبرنا مجموعة زوايا التدوير وهي 360 درجة، فإذا قمنا بتدوير الشكل بزاوية \(x\) فإنه توجد زاوية \(x^{-1}\) نستطيع أن نطبقها على الشكل لنعيده إلى حالته الأساسية وهي الزاوية \(0\) .

هذه المسلمات الأربعة للزمرة، لكنني أستطيع القول، بشكلٍ مبسط، أن الزمرة هي ما يشبه الخط الذي في منتصفه 0، وتتحرك حوله يمينًا أو يسارًا، وكيفما ابتعدت فإنه دائمًا بإمكانك العودة إلى المنتصف، ولا يهم مشيت خطوة ثم خطوتين ثم ثلاثة خطوات، أو خطوتين ثم ثلاث خطوات ثم خطوة، فستجد نفسك في المكان ذاته.

للزمرة عدة خصائص، وعدة أفكار، فمثلًا، فالمُحايد \(Identity\) دومًا وحيد \(Uniqe\)، وأنه لكل عنصر نظيرٌ \(Inverse\) واحد فقط، وهذه تعتبر نظريات، وليست من المسلمات، لأنها تنتج من من تطبيق المسلمات، فمثلًا وحدانية المحايد تجد اقتضاءها من مسلمة الإغلاق، ووحدانية النظير تجد اقتضاءها من مسلمة التجميع، وليس المحل هنا محلًا للإثبات والبرهنة على ذلك.

وربما من أجمل الأمثلة على بُنية الزمرة، هي مجموعة التباديل الممكنة لأي مجموعة منتهية من العناصر، وستجد الرياضيين قد أشبعوها بحثًا ودراسة، فمثلًا، لو كان لدينا 52 ورقة مرقمة مرتبة بترتيب عشوائي، فإننا نستطيع أن نعيدها إلى ترتيبها الأساسي المرقم مباشرةً عن طريق “تبديل” وحيد، واحتمالية أن نجد هذا التبديل من المرة الأولى:$$\frac{1}{52!}$$ أأبصرت الجمال؟، استطعنا أن نعيد ترتيب الأوراق مباشرةً بتبديل واحد، وليس هذا وحسب، بل استطعنا أيضًا أن نحسب احتمال أن نأتي به من المحاولة الأولى!.

وهنا يكمن جمال الرياضيات والعلوم النظرية، بأن نفهم العالم بشكلٍ يساعدنا على أن نعيش، ويهبنا القدرة على أن نفسّر الأشياء ونستفيد من تفسيراتنا هذه.

هذا، والسلام..

في الجبرِ المجرد، معنًى وفكرةً

قبيل الدخول في المقالة، أود التنويه:

لن أتبع هاهنا الأسلوب الرياضي المتين، المليء بالبراهين والتعاريف، لكنني سأتبع هاهنا الأسلوب الحدسي، البسيط، الذي هدفه إيصال ذلك الشعور للآخر، لأن تعلم الرياضيات ينقسمُ إلى قسمين حسب ما أرى:

  1. التعلم الحدسي الداخلي.
  2. التعلم المنطقي الخارجي.

في الأول[الحدسي الداخلي]، يكون الإدراك، وتبدأ الأمور تتضح وتتجلى للمتعلم، وما إن يدركها جيدًا، سيستطيع أن يصيغها بشكلٍ لغويٍ متين باستخدام الثاني[المنطقي الخارجي]، وليس هدف الرياضيين من استخدام الثاني إلا لوضع الحدود، وإزالة اللبس الذي قد يسببه الحدس أحيانًا.

أما والآن، فما الجبرُ المجرّد؟

نستطيع القول، اختصارًا: هو دراسة النُظُم الهيكيلية، أي أنها دراسةُ أنظمة هياكل نجدها تتكرر في الحياة بكثرة، فهو ليس محصورًا على العمليات الرياضية، بل أيضًا يمكن تطبيقه على أي مجموعة من الأشياء وعملية عليها، فإذا حققت هذه الأشياء والعملية مسلمات البُنية الجبرية، نستطيع حينها ومن مجرد معرفتنا بأنها تحقق المسلمات استنتاج أنها تحقق كافة الخصائص لتلك البُنية الجبرية، وهذا ما يميز الرياضيات، بأنها دراسة الأفكار عمومًا، والنظم المجردة.

في الجبر المجرد، سنجد مفاهيمًا أساسية، يُبنى عليها الأساس المنطقي للبُنية الجبرية، بدايةً من تعريف “مجموعة الأشياء”، إلى تعريف “العملية”، ثم تعريف “البنية الجبرية”، لكنه يجب أن نفرق ما بين المكتوب، وما بين المعنى، ففي المكتوب، نحنُ نستخدم الكائنات الرياضية لوصف الأفكار، لكنه لأجل البناء المنطقي، وتحسين التواصل، وجدنا أنفسنا بحاجة إلى تعريف الأشياء تعريفًا دقيقًا بشكل مكتوب ورصين،على ألا يُؤخذ هذا على أن المكتوب هو حقيقةً الفكرة، فقد يأتي يوم نحتاج فيه إلى كائنات رياضية جديدة يتعارض تعريفها مع تعريفنا للأساسيات، ودائمًا في الفكر الرياضي ما أتبع قاعدة على صيغةِ سؤال، أرى فيها لُب الرياضيات:”لماذا نضع الحدود؟”.

فإذا قلنا بشكلٍ غير رسمي informally أن الجبر المجرد هو: دراسة “مجموعة من الأشياء” و “عملية عليها” تحقق “مسلمات معينة” مع هذه المجموعة، سنجد أنفسنا بحاجة إلى تعريف ما بين علامتي الاقتباس، لإقامة البناء المنطقي “Logical structure” الخاص به، لذلك لننطلق ولنرى ما نتوصل عليه:

  1. مجموعة الأشياء: ماذا نعني بـ”مجموعة الأشياء”؟، لنتوقف قليلًا، ولنحلل ما بين يدينا، إذن ما معنى:”مجموعة” و”الأشياء”؟.
    1. مجموعة: ما هي المجموعة؟ نستطيع القول تجاوزًا-لأنه ليس هذا محلًا للنقاش في أسس الرياضيات المنطقية-، بأنها “سلّة” قد تكون هذه السلة صغيرةً جدًا حد أنها لا تحتوي على أي شيء، أو كبيرًا جدًا جدًا، حد أنها تحتوي على مالانهاية من الأشياء، أي أنها Container يحتوي الأشياء.
    2. الأشياء: الأشياء، في الرياضيات لا معنى واضح لها. فهذه الأشياء قد تكون مجرّدةً كالأعداد، أو حقيقةً واقعية كالملابس مثلًا. لكن كون الرياضيين دائمًا ما يميلون للتجريد، فهم يعتبرونها كائنات رياضية Mathematical Objects ، قد تمثّل أي شيء، هذه الأشياء، هي ما نضعها في السلة التي ذكرتها في نقطة المجموعة(1).
  2. عملية عليها: بدايةً، نحتاج لأن نعرف ما معنى العملية، نستطيع القول، بأن العملية هي التجريد الرياضي للفعل، أي أنك حينما تفعلُ شيئًا، كأن تشرب قهوةً مثلًا، فأنت تطبق عملية على القهوة، وإذا أخذت مثلًا مكعبات ووضعتها بعضها فوق بعض، فأنت هكذا طبقت عملية على “مجموعة من المكعبات”، هذه العملية -تجاوزًا- هي “رص المكعب الأول على السطح، ثم رص المكعبات التالية على المكعب العلوي”، وهذا هو مفهوم العملية بشكلٍ عام.
  3. مسلمات معينة: ما هي المسلمات المعينة؟ -لن نستطرد في شرح معنى “المسلمة” فهذا بحث محله مقال آخر-، لكن، ما الذي يهمّنا في هذه المسلمات التي تحققها المجموعة والعملية عليها؟ ما يهمنا فيها، هو أن نضع قيودًا على “مجموعة الأشياء” و”العملية”، لكي تتحق البُنية الجبرية، وهذه الشروط هي بحد ذاتها تعريف البنية الجبرية، فمثلًا، أحد الشروط في بُنية “الزمرة Group”، أنه لو أخذت 3 عناصر من المجموعة، وطبقت عليها العملية، فلا يهم الترتيب أبدًا، سواءً طبقتها على الأول ثم الثاني ثم الثالث، أو الثاني ثم الثالث ثم الأول، فالنتيجة واحدة، ولاحظ أننا هنا وضعنا قيدًا على العملية، إن طبقته على عناصر المجموعة فهذا يعني أنه هناك احتمال أن تكون هذه الأشياء مع العملية زمرة(لأن هناك 3 مسلمات أخرى للزمرة لن أتطرق لها هنا)، مع الانتباه هاهنا أن طبيعة العناصر والعملية مهمة جدًا، فأحيانًا عملية مع مجموعة تكون بُنية جبرية، ومع أخرى لا تكوّن بنية جبرية، والأمر ذاته ينطبق على المجموعة.

الجبر المجرد، ينطلق كما أرى وأعلم من هذه الثلاثة مفاهيم، وستجد الرياضيين يرمزون للمجموعة بـ \(S\) مثلًا، وللعملية بـ \(*\)، ويقولون بأن هذا الشيء: \( (S,*) \)، نظام. لكن يا صاحبي، لا تغرّنك هذه الرموز، فما هي إلا المفاهيم البسيطة التي وضحتها أعلاه، لكن لماذا هذا التعقيد الرمزي؟ كأي علم، يجد أهله صعوبة في التواصل والفهم بعضهم، لذلك قاموا بتطوير هذه الرموز والعلامات لتسهيل التواصل.

الآن، ماذا بعد هذه المفاهيم الثلاثة؟ ستجد لدى الرياضيين عدة بنى جبرية، بعضها جزء من بنية أكبر منه، وآخر يأخذ من هذا ويترك من ذاك، وهذه أشهر البنى الجبرية:

  1. الزمرة Group، وما هي إلا تمثيلٌ للانعكاس، والتوازن الموجود في الطبيعة.
  2. الزمرة الأبيلية Abelian Group ، وما هي إلا زمرة لكن نضيف لها خاصية الإبدال-لن أتطرق لها هنا-.
  3. الحلقة Ring ، وما هي نظام بعمليتين، تحقق كل منهما مسلمات معينة، أحدها يجب أن تكون زمرة(أي أن الحلقة هي تعميم للزمرة).
  4. الحقل Field ، وما هو إلا حلقة مع مسلمات أخرى.(أي أن الحقل هو تعميم للحلقة).
  5. Vector Space، أو فضاء المتجهات، وهو مزيج بين عدة مسلمات بعضها تكون بنية جبرية معروفة، وأخرى مستقلة.

إذن ما الفائدة من كل هذا؟ الفائدة، أننا نستطيع الآن وباستخدام التجريد، أن ندرس أي شيء في الكون يحقق هذه الأشياء، أي أننا نستطيع معرفة أشياء عديدة جدًا عمّا ندرس، إذا تأكدنا من أن ما ندرسه يحقق عدّة نقاط وحسب! تصورت معي؟ فلو كان الكون مثلًا يحقق كونه زمرة، نستطيع أن نعرف الكثير عنه، وللاستزادة هنا الصياغة الرياضية للنموذج المعياري في الفيزياء ، وهنا الصياغة الرياضية للكوانتم ميكانيكس، نستطيع القول أنها أمثلة لما يمكن للجبر المجرد أن يفعله.

والسلام.

  • فارس.