ثرثرة عفويّة #6: سؤال الرياضيات، والإجابة..

كنتُ ليلة الأمس، سَمِيرَ خالتي التي تكبرني بأعوامٍ عدّة، وجّهت لي سؤالًا، صريحًا:

لماذا الرياضيات يا فارس؟

لطالما سُئلتُ هذا السؤال، ولطالما أخذني ترددٌ وانتابتني حيرةٌ في تحديد الإجابة المثلى بين عدّة إجاباتٍ تخالجني حين محاولة الإجابة، لماذا الرياضيات؟ .. حسنًا، هي وجهاتُ نظرٍ مختلفة، سأحاول فهمها وتفكيكها فيما يأتي.

وجهة النظرِ اﻷولى: طبيعتي كشخصيّة.. والواقع..

أتذكر، حينما رأيت الجامعة أمامي، والتخصصات، وضعت نصبُ عيني أولًا طبيعتي وشخصيتي، ففارس: يحب الفهم، ويهوى أن يفهم الأشياء أكثر من أي شيء آخر، ثم يأخذ فهمه هذا ليعمل بناءً على ما يعرف.

ثم، أخذت أحلل التخصصات المحتملة كالآتي:

  1. الهندسة: علم، طبيعته تطبيقية.. به الكثير من المعامل (المكان الذي لا أجيد الوقوف فيه)، بالإضافة لهذا، لستُ مهتمًا بالإنشاء، بل مهتمٌ بالفِهم.
  2. الطب: قبيل دخولي للجامعة، كنت أقرأ في كتب الطب القديمة، وأرى تفسيراتهم للجسم، في تلك الأيام أدركت أمرًا تأكدت من صوابه بعد سنوات من صديقٍ لي يدرس الطب، هذا الأمر كان: أن الطب كله قائمٌ على موازنة الجسم، أي إبقاء الجسم في حالة من الاتزان، التي تمنح لصاحبها الشعور بالراحة، فكان مستوى الفهم هذا هو ما أطمح له ووجدته.. أما بالنسبةِ للطب كمهنة: فلستُ مهتمًا بالاستماع للمرضى وعلاجهم، ولا لتحليل العينات، ولا للقيام بالعمليات.. ولا أي شيءٍ من هذا، ربما الأمر الوحيد الذي أهتم به في الطب كمهنة: محاولة فهم الجسم من الداخل، بالتشريح، ودراسة الأعضاء المختلفة وما إلى ذلك، فقد يكون هذا الجزء البحثي هو أكثر ما يجعلني أقبل به كمهنة.
  3. الحاسب وتخصصاته المختلفة: قبيل الجامعة بسنوات، ابتدأت تعلم الحاسب ذاتيًا، كانت البداية من البرمجة، إلى أن وصلت إلى الـ Computation Theory مؤخرًا، بالإضافة إلى هذا وجدت بعض الأمور في الحاسب هي تفاصيل تقنية technical details، للإلمام بها لا يحتاج الإنسان أكثر من القراءة، لهذا لم أجده مناسبًا لي كشخص اكتفى منه، فبعد مراحل من التعلم تختلف وجهة نظرك عن المعتاد، إلى أن تصل إلى مرحلة ترى ما استصعبه الناس سهلًا.
  4. الفيزياء: أحب الفيزياء منذ الطفولة، كونها هي ذلك العلم الذي يحاول فهم العالم، لكن.. بعد مدة، أدركتُ أن ما تعطيك إياه الفيزياء، مجرد نموذج، قد يصيب، قد يخطئ، بالإضافة إلى هذا ما أهتم به من الفيزياء هي العلوم النظرية، أي المعادلات.. ولا أحب أبدًا ذلك الجزء التطبيقي منه، والذي هو متواجد بكثرة في خطط جامعاتنا الموقرة.
  5. الرياضيات: وصفُ العالم مجردًا، دراسة العالم كفكرة مجردة.. ليس عليك سوى أن تُفكر، ليس عليك إلا أن تُثبت، ليس عليك إلا أن تدرس العالم فكرًا.. وشغلك الشاغل، خيالك ونظريّاتك، وما يدور بداخل عقلك.. حسنًا، كوني منذ الطفولة أهوى عالم الأفكار، كانت مغرية وبشدة هذه العروض، لكن: النجاح في هذا التخصص صعب.. حسنًا، لكن ما الذي سيترتب عليه النجاح فيه؟ الإجابة كانت أشد إغراءً: المقدرة على دراسة بقية العلوم، بل والتفوق على أهل تلك العلوم أحيانًا.. رائع!، الآلة التي تُعطيني القدرة على الفهم، القدرة على نمذجة بقيّة العلوم، القدرة على التطوير في بقيّة التخصصات.

وجهة النظر الثانية: اختيار مسار الحياة، ولقمة العيش..

في مراحل مبكرة من حياتي، اخترتُ هدفًا عامًا أسعى له ما دمت حيًا، هذا الهدف الوصول إليه يحتاج لمعرفة واسعة، وإطلاع كبير، وفهم ودراية بمختلف الأمور، هذا الإطلاع وهذا الإلمام، بحاجة إلى أدوات مختلفة، وإلى بيئات متعددة، وإلى تجارب كثيرة، وصمت طويل.

فما هو المسار؟ كان المسار، هو دراسة الرياضيات، لأنه لا توجد أداة أخرى أفضل منها تعين على الفهم والنظر المجرّد، ولا يوجد ما هو أفضل من امتلاك النظرِ العام[الصورة، القالب]، القوي والسليم، الذي يهب لعارفه القدرة على استخلاص أجودِ ما يمتلكه من مادة[معلومات]، فهو حين النظر فيما يَعلم، سيَعرف التفاصيل دون علمٍ بالتفاصيل ذاتها.

أما عن لقمة العيش، فلستُ أرى أقوى من المعرفةِ كلقمةٍ للعيش، وما أعنيه: أنه دومًا ما تكون لقمة العيش مرتبطةً بالصَنعة، وبالإتقان أكثر من أي شيء آخر، ولا تأتي صنعة، ولا يأتي إتقان إلا من معرفةٍ وفهمٍ عميق، وبإجادةٍ استغرق صاحبها في بنائها وقتًا.

صحيحٌ أن هذه الصَنعة لوحدها لا تكفي، بل تحتاج أيضًا إلى طلبٍ ورغبةٍ من آخر، لكن.. هذا الطلب، وهذه الرغبة، تختلفان باختلاف الزمان والمكان، وظروفٍ أخرى، لهذا، فلا حاجة لأن نمضي في سبيل الحياة رابطين المصير بأهواء مختلفة، وبرغباتٍ متجددة، وبأفكارٍ يطلبها أهلها اليوم، وينسوها غدًا.

لذلك، آنستُ الرأي، بارتباطٍ ثابتٍ بما أعرف، وبالتركيزِ على ما بين اليدين، بدلًا من مدّ العينين إلى يديّ الآخر، وربما يكون الزمنُ كفيلًا بأن يُرينا النتيجة، وأخيرًا: ليس بالضرورة أن كُل ما أعرفه، سأعمل فيه.

وجهة النظر الثالثة: الرحلة الطويلة، نحو الخارج..

لطالما حلمتُ بالخروج من هذه الديار، ولطالما وضعت هذا الأمر على سُلّم الأماني، لكن الظروف في أحيانٍ كثيرة.. تكونُ أقوى، تكونُ أَجبَر.

ما السبيلُ إلى ذلك الخروج؟ في مرحلةٍ ما، رأيت أن السبيل هو ما هو متعارف عليه بين الناس، لكن هذا السبيلَ له ما له، و عليه ما عليه، بالإضافة إلى هذا.. توجدُ المعارضة، لكن كل هذا يُغلب: بالوقوفِ أمام حتميّة المصير، وأنه في هذه اللحظة، يجب الخروج.

هذا الإيجاب، له عواملٌ كثيرة تهبه طبيعته، وتؤثر فيه، لكن.. لا شيء أقوى من إيجابِ لُقمة العيش، لا شيء أقوى من أن مسار الحياة يقول أنه يجب على الإنسان أن يخرج.. في تلك اللحظة، تتحوّل الممانعة إلى إرادةٍ على كره، واختيارٍ على جَبر، وفيها الغَلَبة، وفيها الانتصار.

وماذا غيرُ الرياضيات طريقًا لتلك الحتمية المصطنعة؟ هي الأنسب، وهي الطريق، وهي الاختيار الأمثل.

ربما..

ثرثرة عفوية #5 : الرياضيات، وثقافة العبقرية.

لطالما ارتبطت الرياضيات لدى غير المختصين ارتباطًا وثيقًا بالـ”العبقرية”، ودومًا ما ينظر لمن يشتغل فيها على أنه “ذكي”، أو”عبقري”، وما إلى ذلك، لكن من يقرأ في الرياضيات، يُدرك أن الرياضيات لا علاقة لها بهذا كلّه، إذن لماذا كل هذه الهالة حولها؟ سأحاول في هذه المقالة، البحث عن جذور هذه الثقافة، وما يجعل غير المختصين يعتقدون أنها كذلك.

تقوم الرياضيات على أساس واضح وبيّن لكل من يعمل فيها، هذا الأساس هو:”دراسة العالم مجردًا، أي من ناحية كونه فكرة فقط”، أي أن الرياضيات علم يأخذ العالم ويضعه في قوالب منطقية، هذه القوالب المنطقية تمنح لعارفها القُدرة على الاستدلال على أمور لم يعاينها حسًا، ولم ينظر فيها، فبمعرفته ببعض المعلومات التي تخصها، ثم باستخدام القالب المنطقي الذي يعرفه، سيستطيع أن يستدل على خصائص لم يكن يعرفها قبلًا، ولإيضاح الفكرة بشكل أكبر، لنأخذ قانون مساحة المستطيل، ولنحاول فهم المعنى خلفه، وإيضاح المراد.

معلومٌ أن مساحة المستطيل تعطى بالقانون الآتي:

$$ الطول \space \times العرض $$

لكن، ما معنى هذا المكتوب؟ انظر له كالآتي:”ال طول × العرض“، ولا تقرأها: الطول ضرب العرض، بل انظر فيها متجردًا من معارفك المسبقة التي تعرفها، ستجد بعد برهة أن تلك العبارة التي كانت في ذهنك، لم تعد تطبق على ما هو مكتوب، سيحق لك بعدها أن تتساءل: إذن ما معنى هذا؟ ما الذي قضيت عمري أدرسه؟ .. تلك اللحظة التي تتجرد فيها من معارفك المسبقة، هي اللحظة التي ستبدأ فيها بفهم الرياضيات.

لهذا، لنأخذ العبارة السابقة، ولنحاول تفكيكها وفهمها من جديد، حتى نصل إلى مرحلة نرى فيها العبارة السابقة برؤية مختلفة.

التعاريف.. الأساس الذي لا غنى عنه

لنفهم الأشياء، لابد أن نَعْرِفها، ولنَعْرِفها نحن بحاجة إلى أن نجد لها تعبيرًا واضحًا يمكننا استخدامه للدلالة عليها، هذا الأمر لا نقاش فيه بين الرياضيين، فلنأخذ قانون مساحة المستطيل، ولنطبّق ما قلناه.

سأبتدئ بعبارات القانون اللفظية، ثم سآتي للرمزية، سنلاحظ الآن أنه يوجد لدينا لفظين في القانون: الطول، والعرض، هذان اللفظان هكذا بعيدًا عن السياق، لا معنى لهما، ولا يدلان على شيء بحد ذاتهما، لهذا، سنحتاج إلى أن نهبهما المعنى، هذا المعنى لا يمكننا أن نتحدث عنه دون المرور على المستطيل بحد ذاته، والذي سأعتبره هنا: شكل مغلق رباعي الأضلاع قائم الزوايا، أضلاعه المتقابلة متساوية في القياس[= لهما العدد نفسه من وحده القياس]، سنجد من التعريف أنه يوجد لدينا أربعة أضلاع، لكن كل ضلعين متقابلين منهما لهما نفس القياس، مما يحصر حديثنا في ضلعين.

وللحديث عن قياس هذه الأضلاع، نحن بحاجة إلى تعريف وحدة قياس، وهي في العادة تكون إحدى وحدات القياس المعيارية، مثل السنتيميتر، والمتر، والكيلومتر، المتعارف عليها فيزيائيًا، لكن علينا أن ننبه أنه ليس بالضرورة أن تكون وحدة القياس هذه معيارية، بل يمكن استخدام أي شيء آخر يمكننا تثبيته كمرجع نقيس الأشياء نسبةً إليه: فقد تأخذ قطعة من الخشب طويلة سليمة على أنها وحدة قياس، بحيث يكون قياس الضلع 5 قطع من قطعة الخشب-التي قمنا بتثبيتها- مكررةً، أو 4، أو 2، أو ربما 100 تكرار من تلك القطعة.

ومعلوم أن المستطيل شكل ثنائي البعد، أي أنه يتكون من بعدين، بالتالي فإن أضلاعه أحادية البُعد: أي أنها ذات بعد واحد، أي أن وحدة قياسها أحادية بالضرورة، لهذا سنقوم بتعريف لفظي الطول والعرض الذين ذكرتهما سابقًا بـ:

الطول: هو عدد مرات تكرار وحدة القياس، للضلع الأكبر في المستطيل.

العرض: هو عدد مرات تكرار وحدة القياس، للضلع الأصغر في المستطيل.

للتوضيح انظر للرسم التوضيحي الآتي:

رسم توضيحي[1]: وحدة القياس هنا هي قطعة حمراء قياسها 1، لهذا يكون قياس القطعة الصفراء مساويًا لست قطع من القطعة الحمراء.

الآن، بعد أن قُمنا بتعريف الألفاظ، نحن بحاجة إلى البحث عن معنى المساحة، سنجد أن المساحة مفهوم ثنائي البعد، أي أنها تتكون من بعدين، أي أنه لقياسها نحتاج إلى وحدة قياس ثنائية البعد، ونظرًا لأن المربع هو الشكل الثنائي الذي تكون جميع أضلاعه متساوية، فبالتالي فإنه يعد شكلًا جيدًا لوحدة القياس، فنقول: سنتيمتر مربع، متر مربع، كيلومتر مربع، وما نعنيه أن شكل وحدة القياس انتقل من كونه أحادي البعد [مجرد عُمق في اتجاه واحد]، إلى كونه ثنائي البعد [عمق في اتجاهين].

الآن، بعد أن عرفنا المساحة وشكل وحدة قياسها، سنقوم بتطبيق ما عرفنا على المستطيل، بحيث سنقوم بتجزئة المستطيل إلى وحدات قياس مربعة، كما هو موضح في الشكل الآتي:

رسم توضيحي[2]: تكون لدينا مستطيل، طوله يساوي 6 وحدات، وعرضه يساوي 3 وحدات.

الآن، أصبح الشكل واضحًا لدينا، بعد أن قمنا بتقسيمه إلى مربعات صغيرة.

العمليات.. والنظر من زوايا أخرى في الرياضيات

نحن نعرف أن عملية الضرب، ما هي إلا تكرارٌ لعمليّة الجمع، إذن ما دخل عمليّة الضرب بين الطول والعرض؟ لماذا وضعناها بين الطول والعرض في قانون مساحة المستطيل؟

ألقِ نظرة على الرسم التوضيحي[2]، ستجد أنه يمكن النظر إليه باعتباره: 6 مربعات مكررة 3 مرات، أو 3 مربعات مكررة 6 مرات، لو كنت دقيقًا وتنبهت للفظ التكرار، ستجد أننا قلنا الشيء نفسه: أي أنه تم جمع 6 مربعات لثلاث مرات: 6+6+6، أو تم جمع 3 مربعات لستة مرات: 3+3+3+3+3+3، لاحظ هنا أنه قد وجد تكرار لعمليّة الجمع، ونحن نعلم أن عملية الضرب هي تكرار لعملية الجمع، بالتالي يمكن أن نكتب الآتي: \( 6 \times 3 \)، أو الآتي: \( 3 \times 6 \) نظرًا لأن عملية الضرب إبدالية.

ولأن مساحة الشكل، هي مقدار ما يتسع له الشكل في بعدين، فنستطيع القول هاهنا، أن مساحة المستطيل أعلاه تساوي: \( 6 \times 3 = 3 \times 6 = 18 \) مربعًا من وحدة القياس.

الآن، توصلنا إلى طريقة لحساب مساحة مستطيل طوله يساوي 6، وعرضه يساوي 3، يأتي هنا الآن التفكير الرياضي ذي الطابع التعميمي: فنقول، أنه لأي مستطيل طوله \( n \) وعرضه \( m \) فإن مساحته تساوي دائمًا:

$$ n \times m $$

هذه العبارة أعلاه هي ذاتها العبارة الآتية وفق التعاريف التي ذكرتها في بداية المقالة:

$$ الطول \times العرض $$

إذن ما هي الرياضيات؟

من المذكور أعلاه، نجد أننا قُمنا بأخذ أحد الأشكال، وجعلناه قابل للقياس، ولم نكتفي بجعله قابل للقياس بل وأوجدنا طريقة عامة لحساب مساحته، فلو أعطيتني قياس ضلعين مختلفين في أي مستطيل سأستطيع أن أخبرك بمقدار ما يتسع له دون أن أعيانه حسًا، وأيضًا أوجدنا علاقة تربط خصائصه: فلو أعطيتني مساحة أي مستطيل وقياس أحد أضلاعه، سأستطيع بعمليات عكسيّة[سأترك لك أيها القارئ المجال للتفكير فيها] أن أعرف قياس الضلع الآخر، بدلالة المساحة وقياس أحد الأضلاع فقط.

ما فعلناه، هو أننا قمنا بإنشاء قالب منطقي للمستطيل، منحنا معرفة واسعة عنه، هذا الفعل أعلاه هو التفكير الرياضي، وهو ما يجب أن يعتقد الناس أنه العبقرية، فالرياضيات هي النظرُ المجرد في الأشياء بغية اكتشافها بشكلٍ مجرد، وجعلها قابلة للقياس، والنظر لها من زوايا مختلفة، بحيث يمكننا أن نستفيد منها بالطريقة التي تعطينا أفضل ما فيها.

ما يحدث، أنه مع مرور الزمن، تنتقل هذه الأفكار من قوالب إلى أخرى، وتفقد معناها البديهي حين النظر لها لأول مرة، فيظن من يراها أنها طلاسم لأنه لا يدرك مقصود أهلها بها، وكمثال على هذا علم الجبر، ففي عهد الخوارزمي، لم يكن تناول الرياضيات بالرموز بل بالألفاظ، ولك يا سيدي القارئ أن تعود لكتابه الجبر والمقابلة، وترى المعادلات الجبرية بنظرةٍ مختلفة تمامًا عما عهدته في المدارس.

وأيضًا، حركة التعميم في الرياضيات تُخرج أحيانًا بعض الأمور من سياقها المعلوم إلى سياق جديد أوسع، فمثلًا كان النظر إلى الرقم 0 على أنه تمثيل للاشيء في البداية، ثم انتقل إلى كونه عنصر الحياد لعملية الجمع، حتى توسع مفهوم الحياد إلى بنى جبرية مختلفة، فلم نعد ننظر مثلًا لمجموعة الأعداد الصحيحة مع عملية الجمع على أنها مجرد مجموعة وعملية، بل أصبحنا ننظر إليها باعتبارها بُنية جبرية نُطلق عليها الزمرة، فأخذنا الخاصيّة الموجودة في الأعداد الصحيحة مع الجمع، وأخرجناها -عممناها- إلى كونها بُنية جبرية أوسع، وانتقلنا من دراسة الأعداد الصحيحة والجمع إلى دراسة بُنية الزمرة ثم تطبيق ما نعرفه في بنية الزمرة على المجموعة والعملية.

هذه الانتقالات، لا يمكن فهمها دون العودة إلى الفضاء الضيق والإلمام به بشكل تام ثم الانتقال إلى الأوسع، لأن فهم الفضاء الأوسع يستند وبشكل أساسي على الفضاء الذي أُخذ منه، وما يحدث أنه في تعليمنا في العادة لا يُهتم بالأساسيات، فلهذا تجد الغالبية العظمى من الناس مشكلة في فهم هذه الرموز، وتظن أن الأمر عائدٌ إلى حماقةٍ فيها، لكن إن الأمر يعود فقط لمشاكل في تعليمهم.

بطبيعة الحال، لا يمكن رمي المشكلة كلها على التعليم والتطورات الفكرية عبر الزمن، بل أيضًا هناك جزء تتحمله الرياضيات، فالرياضيات كما الفن، يختلف العاملين فيها في فهمها، فكما تجد فنانًا يهتم بالتفاصيل وذا نظرٍ دقيق، وآخر يبتعد عنها ولا يولّي اهتمامًا إلا للصورة العامة، فكذلك أهل الرياضيات، يختلفون في فهمها باختلاف استعداداتهم النفسيّة وأمزجتهم: لهذا تجد الكثير من الرياضيين مصابين ببعض الأمراض النفسيّة، لأنها تتطلب مزاجًا عاليًا، ونفسيّة قوية.

  • كتبت هذه المقالة، بلغة قصدت فيها خِطاب غير المختصين، وأخليت عن قصد ببعض الجوانب التقنيّة الخاصة ببعض الأجزاء أعلاه، رغبةً في تبسيط الأفكار.
  • للمزيد: Does one have to be a genius to do maths?
  • فارس، 23/ Jul / 2020 .

ثرثرة عفوية #4 : تقاطعات الرياضيات والحاسب، واختلاف الذهنيّة

لكل علم من العلوم طبيعته، وما ينبغي على المشتغل فيه أن يكون، ﻷن [سأفترض أن] العلوم في آخر المطاف ما هي إلا بناء بشري، قامت به شخصيات ذات طبيعة معينة، وعلى مر التاريخ انتقلت المعرفة من جيل إلى آخر.

ابتدأت حياتي العلمية الفعليّة (بعيدًا عن قراءة الكتب البسيطة، والكتب التاريخية وأنواع أخرى) بالـ Computer Science، وتحديدًا بالبرمجة، تعلم البرمجة أكاد أجزم أنه أكثر أمر بدّل وغير الكثير في حياتي، كانت مفاهيمها وأفكارها ذات أثر كبير حينما انتقلت للرياضيات، بل ربما هي السبب في ذلك التحول، فلولا معرفة بعض المفاهيم لربما لم أكن لأتنبّه لمعاني المعادلات، واستمريت في حالة العمى تلك.

الانتقال من الـ CS إلى الرياضيات لم يكن سهلًا، كان يتطلب جهدًا أكثر مما كنت أتوقع وأتصور، كان السبب الأساسي في الصعوبة هو اختلاف الذهنيّة وطريقة التفكير ذاتها، فعلوم الحاسب بشكل عام يغلب عليها الطابع الميكانيكي، على خلاف الرياضيات تختلف باختلاف الموضوع والشخصية وأمور أخرى، أتذكر ذات يوم كنت أحاول مع أحد الزملاء كتابة برنامج بلغة C++ لتوليد متتالية معينة، نظرًا لخلفيتي الحاسوبية كنت أفكر بطريقة “خوارزمية” لذلك التوليد: هل يكون Linear ؟ أم عشوائي ثم نصفيها؟ أم نولدها بالعكس من الحد الأخير إلى الأول؟ ، على خلافه كان يفكر بطريقة رياضية: كيف يتسفيد من خصائص المتتالية في توليدها: الأرقام الزوجية فيها من الممكن توليدها باستخدام \(2n\) ، بينما الفردية باستخدام \(2n+1\)، من الممكن أن نولد المتالية باستخدام هذه الـ formula، هذا الاختلاف جعلني أتنبه إلى اختلاف طبيعة العلمين مع مرور الوقت.

متابعة قراءة ثرثرة عفوية #4 : تقاطعات الرياضيات والحاسب، واختلاف الذهنيّة

ثرثرة عفوية #3 : العمل البحثي (الجاد)، هل هو ممكن في الشرق الأوسط؟

منذ دخولي إلى الجامعة، عزمت على التركيز على التعلم بُغية كتابة بحث علمي رصين في آخر الرحلة، ولأجل الوصول إلى تلك المرحلة كان لزامًا علي قراءة العديد من الأبحاث والمواضيع والأعمال حتى أصل إلى نظرة جيدة بحثيًا تعطيني بعدًا آخر للمسألة التي أعمل عليها.

تنوعت اهتماماتي في ذلك الوقت، ما بين الـ Computation Theory والـ Abstract Algebra ومواضيع أخرى، على سبيل المثال الـ Boolean Algebra وتطبيقاته، في تلك المراحل، كان هدفي هو اكتساب زوايا النظر المختلفة للموضوع نفسه، لأن في آخر المطاف يقيس الرياضي فهمه للموضوع إن استطاع رؤيته وبرهنته من زوايا مختلفة، كما فعل غاوس حينما برهن المبرهنة الأساسية في الجبر بعدة براهين.

في تلك المرحلة، كنت أطلع على أعمال أشخاص مختلفين، اطلعت مثلًا على إثبات Grigori Perelman لحدسية بوانكاريه، ووجدت أنه استند وبشكل أساسي على أعمال William Thurston في التوبولوجي، وأيضًا الـ Ricci Flow (الذي لا أعلم ما هو!)، الذي عرفه حينما سافر من روسيا إلى أمريكا حسب أحد الوثائقيات، وأيضًا إثبات حدسية فيرما الأخيرة لأندرو وايلز، الذي أثبتها باستخدام الـ Modular Elliptic Curve، الذي ظهر حديثًا، ولم يصل إلى عالمنا العربي بعد.

وأيضًا “إثبات” مايكل عطية الأخير لحدسية ريمان، وأوراق بحثية أخرى اطلعت عليها، ومحاولاتي الخجولة في العمل على Collatz Conjecture التي قادتني إلى إدراك تام بأني لا أعرف شيء، وأنه ربما الصمت أفضل، جميع هذه الأمور جعلتني أتساءل هل ما أفعله الآن، سيصل بي إلى ثمرة؟ هل ما أخطط لفعله ممكن أساسًا لشخص في ظرفي وحالي؟

كل تلك القراءات، جعلتني أدرك أمرًا ما، وهو أنه لتثبت شيء، أنت تحتاج إلى معرفة واسعة وشاملة لذلك الموضوع، أنت تحتاج إلى إلمام بسياق منطقي، واستحضار أدوات تشرح بها المسألة مثلما يستخدم الطبيب المشرط في عملياته، هذه الأدوات هي أفكار الآخرين وأعمالهم، فبدون إطلاعك على هذه الأعمال، حتى لو كان ما تعرف صحيحًا، إن لم تكن ذا إطلاع، لن تستطيع التحدث!

متابعة قراءة ثرثرة عفوية #3 : العمل البحثي (الجاد)، هل هو ممكن في الشرق الأوسط؟

ثرثرة عفوية #2: البرمجة، وأشياء أخرى.

مرحبًا، سأثرثر.. عن البرمجة، والكمبيوتر، وأمور أخرى.

ابتدأت تعلم البرمجة في سنٍ مبكرة، في الرابعة عشر من عمري، أو ما يقاربها، ومنذ ذلك الحين وأنا أعتبرها هوايةً ليس إلا، وليس غرضي من تعلمها سوى ممارسة ما أهوى وما أحب.

ابتدأت في زمنٍ غابر بلغاتٍ بسيطة، بالويب تحديدًا، ثم انتقلت إلى أجزاء أخرى، ابتدأت من الأعلى، ثم اتجهت للنزول إلى الأسفل حتى الوصول إلى الـ Assembly x86 ولم أكمل تعلمي لها، ربما كان ذلك النزول من أكثر الأشياء التي غيرت نظرتي إلى الحاسب، أخذت أتعلم لغة C ثم انتقلت إلى C++ وأتذكر آنذاك حمّلت كتابًا عربيًا ذا 600 صفحة، وقرأته في شهرين أو ثلاثة.. كانت تجربة رائعة، جعلتني أرى أبعادًا أخرى لإمكانيات لغات البرمجة، وعرفتني على مفاهيم وأمور مختلفة.

ثم أخذت أتنقل بين اللغات، وآخذ من كل لغةٍ ما صممت لأجله، فتعلمت واستعملت Python لأجل الـ Scripting بشكل عام، ما بين Web Crawlers، وأنواع مختلفة من البرمجيّات، فقط لأنها أسهل في الكتابة وتحقق الغرض بشكل سريع.

في مرحلةٍ تالية، قررت التوقف عن تعلم اللغات، والبدئ تعلم الحاسب أكاديميًا، أخذت أقرأ في الـ Data structure والـ Algorithms وأمور مختلفة، ثم قررت تجربة برمجة التطبيقات، لم أعجب بها كثيرًا، لكن كانت تجربتها كفيلة بأن تجعلني أدرك فائدة التعلم الأكاديمي، وكيف أن تلك القراءة كانت نقلة نوعية في فهمي.

ثم، أتت المرحلة التالية: تجربة السيرفرات وإدارتها، لا زلت أتذكر أول مرة استعملت فيها DigitalOcean، وكيف كان الاتصال بالـ SSH يُعتبر أمرًا صعبًا، فقررت تثبيت VSFTPd لتسهيل نقل الملفات، ومن ثم تخليت عنه لصالح SCP العريقة.

أكثر ما تعلمته خلال تلك المرحلة كان التعامل مع الـ Services وإدارتها، وكيفية الربط ما بين مختلف الخدمات والبرمجيات، للوصول إلى بيئة برمجيّة ثابتة Stable، وأتمتة عمليات مختلفة باستخدام الـ Bash Scripting، والتعامل مع الـ Security Keys، وإدارة الصلاحيات للمستخدمين، أخذت قرابة 6 أشهر أستخدم الـ Root كمستخدم أساسي لكل العمليات الموجودة، ثم قررت تلوًا تغيير ذلك الوضع.

كانت هذه التجربة، قفزة لسبب أساسي، وهو كيف أنك تنظر لتطبيقات الويب والأمور التي تعمل عليها بمنظور من سُتعطيه إياها (مشغلي خدمات الاستضافة والسيرفرات)، ومن ناحية شخصية تقنية كانت فتحًا عظيمًا، لأنها أغنتني وبشكل تام عن جميع خدمات الاستضافة، فأصبحت لا أدفع أكثر من 5$ شهريًا على سيرفر تحت إدارتي بالكامل، ما بين تثبيت برمجيات لا علاقة لها بالانترنت not a web services، أو كمستودع لملفات أود مشاركتها بين أجهزتي المختلفة بدون أن تكون expose على الانترنت: أحفظها بداخل السيرفر، ثم أنقلها باستخدام بروتوكلات نقل الملفات المختلفة .

ثم، قررت تعلم لغة Go لاستبدالها بـ C/C++ في مشاريع الـ Low level، هذه اللغة عجيبة، أحد مصمميها هو المخضرم Ken Thompson، أحد أهم العاملين في Bell Labs التي أخرجت لنا الكثير من الاختراعات التي غيرت الكثير في هذا العالم: UNIX, C على سبيل المثال، وبالمناسبة عمل فيها أيضًا Claude Shannon، الأب الروحي لنظرية المعلومات Information Theory، لهذا كان تعلم هذه اللغة أمرًا لابد منه.

متابعة قراءة ثرثرة عفوية #2: البرمجة، وأشياء أخرى.

في الزُمر In Groups

سأتناول في هذه المقالة الزمر Groups في الرياضيات، من ناحية حدسية بعيدة عن الناحية الأكاديمية الدرسية، فليس المُراد من هذه المقالة تعريف القارئ على الزُمرة، بقدر ما أنه دراسة فكرية للزمرة وما تتحملها من معاني كما أفهمها، وقد أصيبُ وقد أخطئ.

بدايةً ما معنى الزمرة؟ لنطّلع على المسلمات، ولنحاول فهمها وتفكيكها، وفهم ما يقتضي عنها، سنجد في غالب الكُتب ما يأتي:

نقول عن \((S,*)\) بحيث أن \(S\) مجموعة Set ، و \(*\) عملية عليها، إذا تحققت المسلمات الآتية:

  1. مسلمة الإغلاق، ونعني بها أن العملية \(*\) ناتجها دائمًا في داخل المجموعة \(S\)، أي أن هذا النظام مغلق تحت تأثير العملية ولا يمكن أن ينتج من تطبيق العملية عنصر خارج عن هذا النظام، تصوّرها كصندوق مغلق، إذا أخذت أي شيئين فيه، و”مزجتهما” ستجد ناتج المزج موجود لديك سابقًا في الصندوق، أو ربما كنغمتين صوتيين مختلفتين، إذا وصلتهما خرجت لك نغمة في ذات مجموعة النغمات، نستطيع القول وإجمالًا: أن العملية لا يمكن أن تعطي شيئًا خارجًا عن المجموعة، بل دائمًا ما تعيدنا إلى عنصرٍ في المجموعة.
  2. مسلمة التجميع \(Associative \space Law\)، ونعني بها بشكلٍ مختصر، أنه لو أخذت أي عدة عناصر في المجموعة وطبقت عليها العملية ذاتها، فترتيب تطبيقك للعملية على العناصر لن يغير النتيجة أبدًا، فلو كانت لديك 3 عناصر، فهناك \(3!\) طرق لتطبيق العملية، وفي كل هذه الطرق ستكون النتيجة دومًا واحدة، نستطيع اعتبارها كأن تأخذ 3 كتب لها متساوية الخصائص: أي لها نفس العنوان، والطبعة، والغلاف..الخ، وأردت ترتيبها على الرف، فبأي ترتيب وضعتها، سيبقى الشكل ذاته دومًا، أو أردت أن تفتح عدّة أبواب متعاقبة في بناء لفتح مسار، فبأي ترتيب بدأت بفتح الأبواب(من داخل البناء أومن خارجه)، فالنتيجة دومًا واحدة: الأبواب جميعها ستكون مفتوحة، وسيكون المسار مهيئًا للمشي فيه.
  3. وجود عنصر محايد \(Identity\)، ونعني به العنصر الذي حينما نأخذه مع عنصر آخر ونطبق عليهما العملية، فالعنصر الآخر لا يتغير، بمعنًى آخر: لا تأثير له على العناصر في هذه العملية، فمثلًا، لو أخذنا مجموعة مجموعة زوايا التدويرات الممكنة للأشكال Rotation، وأردنا أن “نجمع” زاوية تدوير \(x\) مع ما مقداره الزاوية \(0\) ، فسيكون الناتج دومًا الزواية \(x\)، لأن الزاوية \(0\) تعني أنه لا تقم بفعل أي شيء، فبالتالي لا تأثير لها على عملية الجمع بين زوايا التدوير، وبالمناسبة التحويلات الهندسية Transformation تحتوي على أمثلة كثيرة لبُنية الزمرة.
  4. وجود عنصر نظير \(Inverse\) لأي عنصر في المجموعة، وما نعنيه بهذا، هو أنه لأي عنصر يوجد دومًا على الأقل عنصر آخر حينما نطبق عليهما العملية سينتج المحايد، أي أنه يعيد العنصر إلى حالة الحياد، فمثلًا إذا اعتبرنا مجموعة زوايا التدوير وهي 360 درجة، فإذا قمنا بتدوير الشكل بزاوية \(x\) فإنه توجد زاوية \(x^{-1}\) نستطيع أن نطبقها على الشكل لنعيده إلى حالته الأساسية وهي الزاوية \(0\) .

هذه المسلمات الأربعة للزمرة، لكنني أستطيع القول، بشكلٍ مبسط، أن الزمرة هي ما يشبه الخط الذي في منتصفه 0، وتتحرك حوله يمينًا أو يسارًا، وكيفما ابتعدت فإنه دائمًا بإمكانك العودة إلى المنتصف، ولا يهم مشيت خطوة ثم خطوتين ثم ثلاثة خطوات، أو خطوتين ثم ثلاث خطوات ثم خطوة، فستجد نفسك في المكان ذاته.

للزمرة عدة خصائص، وعدة أفكار، فمثلًا، فالمُحايد \(Identity\) دومًا وحيد \(Uniqe\)، وأنه لكل عنصر نظيرٌ \(Inverse\) واحد فقط، وهذه تعتبر نظريات، وليست من المسلمات، لأنها تنتج من من تطبيق المسلمات، فمثلًا وحدانية المحايد تجد اقتضاءها من مسلمة الإغلاق، ووحدانية النظير تجد اقتضاءها من مسلمة التجميع، وليس المحل هنا محلًا للإثبات والبرهنة على ذلك.

وربما من أجمل الأمثلة على بُنية الزمرة، هي مجموعة التباديل الممكنة لأي مجموعة منتهية من العناصر، وستجد الرياضيين قد أشبعوها بحثًا ودراسة، فمثلًا، لو كان لدينا 52 ورقة مرقمة مرتبة بترتيب عشوائي، فإننا نستطيع أن نعيدها إلى ترتيبها الأساسي المرقم مباشرةً عن طريق “تبديل” وحيد، واحتمالية أن نجد هذا التبديل من المرة الأولى:$$\frac{1}{52!}$$ أأبصرت الجمال؟، استطعنا أن نعيد ترتيب الأوراق مباشرةً بتبديل واحد، وليس هذا وحسب، بل استطعنا أيضًا أن نحسب احتمال أن نأتي به من المحاولة الأولى!.

وهنا يكمن جمال الرياضيات والعلوم النظرية، بأن نفهم العالم بشكلٍ يساعدنا على أن نعيش، ويهبنا القدرة على أن نفسّر الأشياء ونستفيد من تفسيراتنا هذه.

في الجبرِ المجرد، معنًى وفكرةً

قبيل الدخول في المقالة، أود التنويه:

لن أتبع هاهنا الأسلوب الرياضي المتين، المليء بالبراهين والتعاريف، لكنني سأتبع هاهنا الأسلوب الحدسي، البسيط، الذي هدفه إيصال ذلك الشعور للآخر، لأن تعلم الرياضيات ينقسمُ إلى قسمين حسب ما أرى:

  1. التعلم الحدسي الداخلي.
  2. التعلم المنطقي الخارجي.

في الأول[الحدسي الداخلي]، يكون الإدراك، وتبدأ الأمور تتضح وتتجلى للمتعلم، وما إن يدركها جيدًا، سيستطيع أن يصيغها بشكلٍ لغويٍ متين باستخدام الثاني[المنطقي الخارجي]، وليس هدف الرياضيين من استخدام الثاني إلا لوضع الحدود، وإزالة اللبس الذي قد يسببه الحدس أحيانًا.

أما والآن، فما الجبرُ المجرّد؟

نستطيع القول، اختصارًا: هو دراسة النُظُم الهيكيلية، أي أنها دراسةُ أنظمة هياكل نجدها تتكرر في الحياة بكثرة، فهو ليس محصورًا على العمليات الرياضية، بل أيضًا يمكن تطبيقه على أي مجموعة من الأشياء وعملية عليها، فإذا حققت هذه الأشياء والعملية مسلمات البُنية الجبرية، نستطيع حينها ومن مجرد معرفتنا بأنها تحقق المسلمات استنتاج أنها تحقق كافة الخصائص لتلك البُنية الجبرية، وهذا ما يميز الرياضيات، بأنها دراسة الأفكار عمومًا، والنظم المجردة.

في الجبر المجرد، سنجد مفاهيمًا أساسية، يُبنى عليها الأساس المنطقي للبُنية الجبرية، بدايةً من تعريف “مجموعة الأشياء”، إلى تعريف “العملية”، ثم تعريف “البنية الجبرية”.

لكن يجب أن نفرق ما بين المكتوب وما بين المعنى، ففي المكتوب، نحنُ نستخدم الكائنات الرياضية لوصف الأفكار، ولأجل البناء المنطقي، وتحسين التواصل، وجدنا أنفسنا بحاجة إلى تعريف الأشياء تعريفًا دقيقًا بشكل مكتوب ورصين، على ألا يُؤخذ هذا على أن المكتوب هو حقيقةً الفكرة، فقد يأتي يوم نحتاج فيه إلى كائنات رياضية جديدة يتعارض تعريفها مع تعريفنا للأساسيات، ونحتاج إلى إعادة البناء من جديد، وهناك قاعدة في الفكر الرياضي دومًا ما تُتبع، أرى فيها لُب الرياضيات:”لماذا نضع الحدود؟”.

فإذا قلنا بشكلٍ غير رسمي informally أن الجبر المجرد هو: دراسة “مجموعة من الأشياء” و “عملية عليها” تحقق “مسلمات معينة” مع هذه المجموعة، سنجد أنفسنا بحاجة إلى تعريف ما بين علامتي الاقتباس، لإقامة البناء المنطقي “Logical structure” الخاص به، لذلك لننطلق ولنرى ما نتوصل عليه:

  1. مجموعة الأشياء: ماذا نعني بـ”مجموعة الأشياء”؟، لنتوقف قليلًا، ولنحلل ما بين يدينا، إذن ما معنى:”مجموعة” و”الأشياء”؟.
    1. مجموعة: ما هي المجموعة؟ نستطيع القول تجاوزًا-لأنه ليس هذا محلًا للنقاش في أسس الرياضيات المنطقية-، بأنها “سلّة” قد تكون هذه السلة صغيرةً جدًا حد أنها لا تحتوي على أي شيء، أو كبيرًا جدًا جدًا، حد أنها تحتوي على مالانهاية من الأشياء، أي أنها Container يحتوي الأشياء.
    2. الأشياء: الأشياء، في الرياضيات لا معنى واضح لها. فهذه الأشياء قد تكون مجرّدةً كالأعداد، أو حقيقةً واقعية كالملابس مثلًا. لكن كون الرياضيين دائمًا ما يميلون للتجريد، فهم يعتبرونها كائنات رياضية Mathematical Objects ، قد تمثّل أي شيء، هذه الأشياء، هي ما نضعها في السلة التي ذكرتها في نقطة المجموعة(1).
  2. عملية عليها: بدايةً، نحتاج لأن نعرف ما معنى العملية، نستطيع القول، بأن العملية هي التجريد الرياضي للفعل، أي أنك حينما تفعلُ شيئًا، كأن تشرب قهوةً مثلًا، فأنت تطبق عملية على القهوة، وإذا أخذت مثلًا مكعبات ووضعتها بعضها فوق بعض، فأنت هكذا طبقت عملية على “مجموعة من المكعبات”، هذه العملية -تجاوزًا- هي “رص المكعب الأول على السطح، ثم رص المكعبات التالية على المكعب العلوي”، وهذا هو مفهوم العملية بشكلٍ عام.
  3. مسلمات معينة: ما هي المسلمات المعينة؟ -لن نستطرد في شرح معنى “المسلمة” فهذا بحث محله مقال آخر-، لكن، ما الذي يهمّنا في هذه المسلمات التي تحققها المجموعة والعملية عليها؟ ما يهمنا فيها، هو أن نضع قيودًا على “مجموعة الأشياء” و”العملية”، لكي تتحق البُنية الجبرية، وهذه الشروط هي بحد ذاتها تعريف البنية الجبرية، فمثلًا، أحد الشروط في بُنية “الزمرة Group”، أنه لو أخذت 3 عناصر من المجموعة، وطبقت عليها العملية، فلا يهم الترتيب أبدًا، سواءً طبقتها على الأول ثم الثاني ثم الثالث، أو الثاني ثم الثالث ثم الأول، فالنتيجة واحدة، ولاحظ أننا هنا وضعنا قيدًا على العملية، إن طبقته على عناصر المجموعة فهذا يعني أنه هناك احتمال أن تكون هذه الأشياء مع العملية زمرة(لأن هناك 3 مسلمات أخرى للزمرة لن أتطرق لها هنا)، مع الانتباه هاهنا أن طبيعة العناصر والعملية مهمة جدًا، فأحيانًا عملية مع مجموعة تكون بُنية جبرية، ومع أخرى لا تكوّن بنية جبرية، والأمر ذاته ينطبق على المجموعة.

الجبر المجرد، ينطلق كما أرى وأعلم من هذه الثلاثة مفاهيم، وستجد الرياضيين يرمزون للمجموعة بـ \(S\) مثلًا، وللعملية بـ \(*\)، ويقولون بأن هذا الشيء: \( (S,*) \)، نظام. لكن لا ترعبك هذه الرموز، فما هي إلا المفاهيم البسيطة التي وضحتها أعلاه، وقد تتساءل: لماذا هذا التعقيد الرمزي؟ سأجيبك: كأي علم، يجد أهله صعوبة في التواصل وفهم بعضهم، لذلك قاموا بتطوير هذه الرموز والعلامات لتسهيل التواصل.

الآن، ماذا بعد هذه المفاهيم الثلاثة؟ ستجد لدى الرياضيين عدة بنى جبرية، بعضها جزء من بنية أكبر منه، وآخر يأخذ من هذا ويترك من ذاك، وهذه أشهر البنى الجبرية:

  1. الزمرة Group، وما هي إلا تمثيلٌ للانعكاس، والتوازن الموجود في الطبيعة.
  2. الزمرة الأبيلية Abelian Group ، وما هي إلا زمرة لكن نضيف لها خاصية الإبدال-لن أتطرق لها هنا-.
  3. الحلقة Ring ، وما هي نظام بعمليتين، تحقق كل منهما مسلمات معينة، أحدها يجب أن تكون زمرة(أي أن الحلقة هي تعميم للزمرة).
  4. الحقل Field ، وما هو إلا حلقة مع مسلمات أخرى.(أي أن الحقل هو تعميم للحلقة).
  5. Vector Space، أو فضاء المتجهات، وهو مزيج بين عدة مسلمات بعضها تكون بنية جبرية معروفة، وأخرى مستقلة.

إذن ما الفائدة من كل هذا؟ الفائدة، أننا نستطيع الآن وباستخدام التجريد، أن ندرس أي شيء في العالم يحقق هذه الأشياء، أي أننا نستطيع معرفة أشياء عديدة جدًا عمّا ندرس، إذا تأكدنا من أن ما ندرسه يحقق عدّة نقاط وحسب! تصورت معي؟ فلو كان العالم مثلًا يحقق كونه زمرة، نستطيع أن نعرف الكثير عنه، وللاستزادة هنا الصياغة الرياضية للنموذج المعياري في الفيزياء ، وهنا الصياغة الرياضية للكوانتم ميكانيكس، نستطيع القول أنها أمثلة لما يمكن للجبر المجرد أن يفعله.

  • فارس.