في الزُمر In Groups

سأتناول في هذه المقالة الزمر Groups في الرياضيات، من ناحية حدسية بعيدة عن الناحية الأكاديمية الدرسية، فليس المُراد من هذه المقالة تعريف القارئ على الزُمرة، بقدر ما أنه دراسة فكرية للزمرة وما تتحملها من معاني كما أفهمها، وقد أصيبُ وقد أخطئ.

بدايةً ما معنى الزمرة؟ لنطّلع على المسلمات، ولنحاول فهمها وتفكيكها، وفهم ما يقتضي عنها، سنجد في غالب الكُتب ما يأتي:

نقول عن \((S,*)\) بحيث أن \(S\) مجموعة Set ، و \(*\) عملية عليها، إذا تحققت المسلمات الآتية:

  1. مسلمة الإغلاق، ونعني بها أن العملية \(*\) ناتجها دائمًا في داخل المجموعة \(S\)، أي أن هذا النظام مغلق تحت تأثير العملية ولا يمكن أن ينتج من تطبيق العملية عنصر خارج عن هذا النظام، تصوّرها كصندوق مغلق، إذا أخذت أي شيئين فيه، و”مزجتهما” ستجد ناتج المزج موجود لديك سابقًا في الصندوق، أو ربما كنغمتين صوتيين مختلفتين، إذا وصلتهما خرجت لك نغمة في ذات مجموعة النغمات، نستطيع القول وإجمالًا: أن العملية لا يمكن أن تعطي شيئًا خارجًا عن المجموعة، بل دائمًا ما تعيدنا إلى عنصرٍ في المجموعة.
  2. مسلمة التجميع \(Associative \space Law\)، ونعني بها بشكلٍ مختصر، أنه لو أخذت أي عدة عناصر في المجموعة وطبقت عليها العملية ذاتها، فترتيب تطبيقك للعملية على العناصر لن يغير النتيجة أبدًا، فلو كانت لديك 3 عناصر، فهناك \(3!\) طرق لتطبيق العملية، وفي كل هذه الطرق ستكون النتيجة دومًا واحدة، نستطيع اعتبارها كأن تأخذ 3 كتب لها متساوية الخصائص: أي لها نفس العنوان، والطبعة، والغلاف..الخ، وأردت ترتيبها على الرف، فبأي ترتيب وضعتها، سيبقى الشكل ذاته دومًا، أو أردت أن تفتح عدّة أبواب متعاقبة في بناء لفتح مسار، فبأي ترتيب بدأت بفتح الأبواب(من داخل البناء أومن خارجه)، فالنتيجة دومًا واحدة: الأبواب جميعها ستكون مفتوحة، وسيكون المسار مهيئًا للمشي فيه.
  3. وجود عنصر محايد \(Identity\)، ونعني به العنصر الذي حينما نأخذه مع عنصر آخر ونطبق عليهما العملية، فالعنصر الآخر لا يتغير، بمعنًى آخر: لا تأثير له على العناصر في هذه العملية، فمثلًا، لو أخذنا مجموعة مجموعة زوايا التدويرات الممكنة للأشكال Rotation، وأردنا أن “نجمع” زاوية تدوير \(x\) مع ما مقداره الزاوية \(0\) ، فسيكون الناتج دومًا الزواية \(x\)، لأن الزاوية \(0\) تعني أنه لا تقم بفعل أي شيء، فبالتالي لا تأثير لها على عملية الجمع بين زوايا التدوير، وبالمناسبة التحويلات الهندسية Transformation تحتوي على أمثلة كثيرة لبُنية الزمرة.
  4. وجود عنصر نظير \(Inverse\) لأي عنصر في المجموعة، وما نعنيه بهذا، هو أنه لأي عنصر يوجد دومًا على الأقل عنصر آخر حينما نطبق عليهما العملية سينتج المحايد، أي أنه يعيد العنصر إلى حالة الحياد، فمثلًا إذا اعتبرنا مجموعة زوايا التدوير وهي 360 درجة، فإذا قمنا بتدوير الشكل بزاوية \(x\) فإنه توجد زاوية \(x^{-1}\) نستطيع أن نطبقها على الشكل لنعيده إلى حالته الأساسية وهي الزاوية \(0\) .

هذه المسلمات الأربعة للزمرة، لكنني أستطيع القول، بشكلٍ مبسط، أن الزمرة هي ما يشبه الخط الذي في منتصفه 0، وتتحرك حوله يمينًا أو يسارًا، وكيفما ابتعدت فإنه دائمًا بإمكانك العودة إلى المنتصف، ولا يهم مشيت خطوة ثم خطوتين ثم ثلاثة خطوات، أو خطوتين ثم ثلاث خطوات ثم خطوة، فستجد نفسك في المكان ذاته، فهي تمثّل التوازن، وأستطيع أن أمثلها-وهذا مثالٌ متجاوز لأجل التفهيم- بالبشر وأنفسهم، فكل إنسان في هذه الأرض له من يضاده في نفسه، فيحنما تشطط نفس إنسان: بأن تغضب، سيجد أن هناك آخرًا سيقوم بتهدئته، ليعود العالم إلى اتزانه الذي كان، ونستطيع القول أنه شيء أشبه بالتدافع يحصل ليصل الكون إلى اتزانه الأول.

للزمرة عدة خصائص، وعدة أفكار، فمثلًا، فالمُحايد \(Identity\) دومًا وحيد \(Uniqe\)، وأنه لكل عنصر نظيرٌ \(Inverse\) واحد فقط، وهذه تعتبر نظريات، وليست من المسلمات، لأنها تنتج من من تطبيق المسلمات، فمثلًا وحدانية المحايد تجد اقتضاءها من مسلمة الإغلاق، ووحدانية النظير تجد اقتضاءها من مسلمة التجميع، وليس المحل هنا محلًا للإثبات والبرهنة على ذلك.

وربما من أجمل الأمثلة على بُنية الزمرة، هي مجموعة التباديل الممكنة لأي مجموعة منتهية من العناصر، وستجد الرياضيين قد أشبعوها بحثًا ودراسة، فمثلًا، لو كان لدينا 52 ورقة مرقمة مرتبة بترتيب عشوائي، فإننا نستطيع أن نعيدها إلى ترتيبها الأساسي المرقم مباشرةً عن طريق “تبديل” وحيد، واحتمالية أن نجد هذا التبديل من المرة الأولى:$$\frac{1}{52!}$$ أأبصرت الجمال؟، استطعنا أن نعيد ترتيب الأوراق مباشرةً بتبديل واحد، وليس هذا وحسب، بل استطعنا أيضًا أن نحسب احتمال أن نأتي به من المحاولة الأولى!.

وهنا يكمن جمال الرياضيات والعلوم النظرية، بأن نفهم العالم بشكلٍ يساعدنا على أن نعيش، ويهبنا القدرة على أن نفسّر الأشياء ونستفيد من تفسيراتنا هذه.

هذا، والسلام..