في الجبرِ المجرد، معنًى وفكرةً

قبيل الدخول في المقالة، أود التنويه:

لن أتبع هاهنا الأسلوب الرياضي المتين، المليء بالبراهين والتعاريف، لكنني سأتبع هاهنا الأسلوب الحدسي، البسيط، الذي هدفه إيصال ذلك الشعور للآخر، لأن تعلم الرياضيات ينقسمُ إلى قسمين حسب ما أرى:

  1. التعلم الحدسي الداخلي.
  2. التعلم المنطقي الخارجي.

في الأول[الحدسي الداخلي]، يكون الإدراك، وتبدأ الأمور تتضح وتتجلى للمتعلم، وما إن يدركها جيدًا، سيستطيع أن يصيغها بشكلٍ لغويٍ متين باستخدام الثاني[المنطقي الخارجي]، وليس هدف الرياضيين من استخدام الثاني إلا لوضع الحدود، وإزالة اللبس الذي قد يسببه الحدس أحيانًا.

أما والآن، فما الجبرُ المجرّد؟

نستطيع القول، اختصارًا: هو دراسة النُظُم الهيكيلية، أي أنها دراسةُ أنظمة هياكل نجدها تتكرر في الحياة بكثرة، فهو ليس محصورًا على العمليات الرياضية، بل أيضًا يمكن تطبيقه على أي مجموعة من الأشياء وعملية عليها، فإذا حققت هذه الأشياء والعملية مسلمات البُنية الجبرية، نستطيع حينها ومن مجرد معرفتنا بأنها تحقق المسلمات استنتاج أنها تحقق كافة الخصائص لتلك البُنية الجبرية، وهذا ما يميز الرياضيات، بأنها دراسة الأفكار عمومًا، والنظم المجردة.

في الجبر المجرد، سنجد مفاهيمًا أساسيًا، يُبنى عليها الأساس المنطقي للبُنية الجبرية، بدايةً من تعريف “مجموعة الأشياء”، إلى تعريف “العملية”، ثم تعريف “البنية الجبرية”، لكنه يجب أن نفرق ما بين المكتوب، وما بين المعنى، ففي المكتوب، نحنُ نستخدم الكائنات الرياضية لوصف الأفكار، لكنه لأجل البناء المنطقي، وتحسين التواصل، وجدنا أنفسنا بحاجة إلى تعريف الأشياء تعريفًا دقيقًا بشكل مكتوب ورصين، لكن على ألا يُؤخذ هذا على أن المكتوب هو حقيقةً الفكرة، فقد يأتي يوم نحتاج فيه إلى كائنات رياضية جديدة يتعارض تعريفها مع تعريفنا للأساسيات، ودائمًا في الفكر الرياضي ما أتبع قاعدة على صيغةِ سؤال، أرى فيها لُب الرياضيات:”لماذا نضع الحدود؟”.

فإذا قلنا بشكلٍ غير رسمي informally أن الجبر المجرد هو: دراسة “مجموعة من الأشياء” و “عملية عليها” تحقق “مسلمات معينة” مع هذه المجموعة، سنجد أنفسنا بحاجة إلى تعريف ما بين علامتي الاقتباس، لإقامة البناء المنطقي “Logical structure” الخاص به، لذلك لننطلق ولنرى ما نتوصل عليه:

  1. مجموعة الأشياء: ماذا نعني بـ”مجموعة الأشياء”؟، لنتوقف قليلًا، ولنحلل ما بين يدينا، إذن ما معنى:”مجموعة” و”الأشياء”؟.
    1. مجموعة: ما هي المجموعة؟ نستطيع القول تجاوزًا-لأنه ليس هذا محلًا للنقاش في أسس الرياضيات المنطقية-، بأنها “سلّة” قد تكون هذه السلة صغيرةً جدًا حد أنها لا تحتوي على أي شيء، أو كبيرًا جدًا جدًا، حد أنها تحتوي على مالانهاية من الأشياء، أي أنها Container يحتوي الأشياء.
    2. الأشياء: الأشياء، في الرياضيات لا معنى واضح لها. فهذه الأشياء قد تكون مجرّدةً كالأعداد، أو حقيقةً واقعية كالملابس مثلًا. لكن كون الرياضيين دائمًا ما يميلون للتجريد، فهم يعتبرونها كائنات رياضية Mathematical Objects ، قد تمثّل أي شيء، هذه الأشياء، هي ما نضعها في السلة التي ذكرتها في نقطة المجموعة(1).
  2. عملية عليها: بدايةً، نحتاج لأن نعرف ما معنى العملية، نستطيع القول، بأن العملية هي التجريد الرياضي للفعل، أي أنك حينما تفعلُ شيئًا، كأن تشرب قهوةً مثلًا، فأنت تطبق عملية على القهوة، وإذا أخذت مثلًا مكعبات ووضعتها بعضها فوق بعض، فأنت هكذا طبقت عملية على “مجموعة من المكعبات”، هذه العملية -تجاوزًا- هي “رص المكعب الأول على السطح، ثم رص المكعبات التالية على المكعب العلوي”، وهذا هو مفهوم العملية بشكلٍ عام.
  3. مسلمات معينة: ما هي المسلمات المعينة؟ -لن نستطرد في شرح معنى “المسلمة” فهذا بحث محله مقال آخر-، لكن، ما الذي يهمّنا في هذه المسلمات التي تحققها المجموعة والعملية عليها؟ ما يهمنا فيها، هو أن نضع قيودًا على “مجموعة الأشياء” و”العملية”، لكي تتحق البُنية الجبرية، وهذه الشروط هي بحد ذاتها تعريف البنية الجبرية، فمثلًا، أحد الشروط في بُنية “الزمرة Group”، أنه لو أخذت 3 عناصر من المجموعة، وطبقت عليها العملية، فلا يهم الترتيب أبدًا، سواءً طبقتها على الأول ثم الثاني ثم الثالث، أو الثاني ثم الثالث ثم الأول، فالنتيجة واحدة، ولاحظ أننا هنا وضعنا قيدًا على العملية، إن طبقته على عناصر المجموعة فهذا يعني أنه هناك احتمال أن تكون هذه الأشياء مع العملية زمرة(لأن هناك 3 مسلمات أخرى للزمرة لن أتطرق لها هنا)، مع الانتباه هاهنا أن طبيعة العناصر والعملية مهمة جدًا، فأحيانًا عملية مع مجموعة تكون بُنية جبرية، ومع أخرى لا تكوّن بنية جبرية، والأمر ذاته ينطبق على المجموعة.

الجبر المجرد، ينطلق كما أرى وأعلم من هذه الثلاثة مفاهيم، وستجد الرياضيين يرمزون للمجموعة بـ \(S\) مثلًا، وللعملية بـ \(*\)، ويقولون بأن هذا الشيء: \( (S,*) \)، نظام. لكن يا صاحبي، لا تغرّنك هذه الرموز، فما هي إلا المفاهيم البسيطة التي وضحتها أعلاه، لكن لماذا هذا التعقيد الرمزي؟ كأي علم، يجد أهله صعوبة في التواصل والفهم بعضهم، لذلك قاموا بتطوير هذه الرموز والعلامات لتسهيل التواصل، ثم تدرج الموضوع إلى دراسة الأسس المنطقية للرياضيات، والتي أفضت إلى تعريف هذه الأمور تعريفًا منطقيًا، ولا زالت مشاكل أسس الرياضة إلى اليوم مطروحة.

الآن، ماذا بعد هذه المفاهيم الثلاثة؟ ستجد لدى الرياضيين عدة بنى جبرية، بعضها جزء من بنية أكبر منه، وآخر يأخذ من هذا ويترك من ذاك، وهذه أشهر البنى الجبرية:

  1. الزمرة Group، وما هي إلا تمثيلٌ للانعكاس، والتوازن الموجود في الطبيعة.
  2. الزمرة الأبيلية Abelian Group ، وما هي إلا زمرة لكن نضيف لها خاصية الإبدال-لن أتطرق لها هنا-.
  3. الحلقة Ring ، وما هي نظام بعمليتين، تحقق كل منهما مسلمات معينة، أحدها يجب أن تكون زمرة(أي أن الحلقة هي تعميم للزمرة).
  4. الحقل Field ، وما هو إلا حلقة مع مسلمات أخرى.(أي أن الحقل هو تعميم للحلقة).
  5. Vector Space، أو فضاء المتجهات، وهو مزيج بين عدة مسلمات بعضها تكون بنية جبرية معروفة، وأخرى مستقلة.

إذن ما الفائدة من كل هذا؟ الفائدة، أننا نستطيع الآن وباستخدام التجريد، أن ندرس أي شيء في الكون يحقق هذه الأشياء، أي أننا نستطيع معرفة أشياء عديدة جدًا عمّا ندرس، إذا تأكدنا من أن ما ندرسه يحقق عدّة نقاط وحسب! تصورت معي؟ فلو كان الكون مثلًا يحقق كونه زمرة، نستطيع أن نعرف الكثير عن الكون الكبير!، وللاستزادة هنا الصياغة الرياضية للنموذج المعياري في الفيزياء ، وهنا الصياغة الرياضية للكوانتم ميكانيكس، نستطيع القول أنها أمثلة لما يمكن للجبر المجرد أن يفعله.

والسلام.

  • فارس.