في البحثِ عن المعرفة، كطريقٍ مرهق.

مرحبًا.

ها أنا ذا أعودُ لأكتُبَ من جديد، لأزيحَ ذلك الثقلَ عن صدري مرةً أخرى، ولأحاول أن أفهم أنايّ من جديد، لعلَّني أجدُ سبيلًا مجددًا لي في هذه الحياة.

أقفُ اليوم، وعمري بضعةٌ وعشرين عامًا، ولا زلتُ لم أجد جوابًا لسؤالي حينما كنتُ طفلًا، لذلك السؤال الذي سألته والدي علّني أجدُ إجابةً حينها لأهيَّأ نفسي لما هو قادم، وما علم ابن العاشرة حينها أنه لا إجابة مطلقةً لسؤاله أبدًا، وأنه سيبقى، عالقًا في دوّامةِ الأحداثِ دون أن يعي.

مرّت اثنى عشرةَ عامًا يا والدي، مرت اثنى عشرة عامًا ولا زال ابنُك يبحثُ عن ما في صدرهِ، دون أن يعي مرةً أخرى أنه عالقٌ في متاهات الإجابة، وأنه يعيشُ إجابةَ سؤاله الذي لا زالَ ينغزُ صدره منذ القدم.

يا والدي، مرّت كل تلك السنون، ومضى أهلها جميعًا، لكن لا زال سؤالي يتعبني، لا زلتُ يا والدي أمرُّ على الأماكن ذاتها، لكنني أرى أوجهًا مختلفةً لذات الكتاب، الكتاب الذي عهدته سابقًا، الكتاب الذي كان من المفترض أن يكون طريقي الثابت، الذي لن يتغير أبدًا.

يا والدي، أتذكرُ كم مرةً مررنا على حيِّ الرويس في جدّة، لتقلّني إلى حفلِ “المتفوقين”؟ أتذكرُ كم مرةً مضينا على الدروب ذاتها، إنني أذكرها، وأتذكر تفاصيلها تمامًا، كانت ثلاثة مرّات متعاقبة، ولا زلتُ أذكر أنه في المرة الأولى، أتاني صحفيٌّ من صحيفة الجزيرة وأجرى معي مقابلةً لينشرها في الصحيفة، ولا زلتُ أذكر أني تلعثمتُ حينها وشططتُ في حديثي، وما رأيتُ شيئًا يخصني في الصحيفة اليوم التالي، ولا زلتُ أذكرُ كاميرا الفيديو الصغيرة التي كنتَ تصوّرني بها، وأنني كنتُ محرجًا جدًا من نفسي حينها، وكنتم -ولا زلتم- تخففون من إحراجي وكرهي لنفسي.

أتذكرُ يا والدي ذلك الطريق الصغير؟، لقد مررنا عليه كثيرًا، ومررتُ عليهِ قُبيل أسابيع، ولم يكن كما كان، ولم يكن شيئًا مما أذكره أبدًا، يا والديّ، الأمرُ ذاته حدث مع أماكن أخرى، الأمرُ ذاته حدث مع الدنيا بأكملها.

يا والدي، أكتبُ لك، وأرى نفسي من منظارٍ بعيد، وأتأملُ الأحداث خلفي، وأدركُ أني الوحيد، الذي لم يتغيّر طوال تلك الأعوام من الخارج، لا زلتُ يا والدي في نظر الآخرين ذلك الغريب، الغامض، الذي لا يعرفه أحد، ولا زلتُ يا والدي ذلك الصامت الذي لا يتحدث أبدًا، وإن تحدّث رأى تبدّلَ الملامح، واختلاف النظرات.

يا والدي، ما الذي يفعله الذي كلما ذهب لمكان وجد أحوال من حوله لا تخرج عن حالتين، إما إعجابٌ وإما إنكارٌ، ما الذي يفعله يا والدي من يذهبُ ويتحدث عن نفسه على طبيعتها، فيجدُ تكذيبًا أو مناكفةً؟، ما الذي يفعله يا والدي ذلك الإنسان، الذي يدخلُ عليه مديره ليخبره بأن كان يُختبر، ورجل الأعمال ذاك الذي طرده من مكتبه ظنًا منه أنه “يتفشخر”، وتلك الجهة التي دخلها ليكتشف أنهم أخذوه سخريةً وطقطقةً، غير مصدّقين أنه فعلًا كذلك، يناكفونه:”يا فلان.. لا تنسى تقابل المبتعث من كندا..”، وغيرها من عبارات المناكفة التي لا تتوقف.

يا والدي، يستطيع الإنسان أن يقف، وأن يتحدث، وأن يثبت، ويتكلم، لكنه زاهدٌ في كل ماهم يبتغونه، دعهم، دعهم، ولسوفَ يأتي بيننا ذات يومٍ جواب، جوابٌ يشفي كل ما في الصدرِ من ألمِ.

أما والآن يا والدي، إنني أتذكّر جيدًا إجابتك على سؤالي:”سننشغل بشيءٍ آخر، وكذا هي الحياة.” .. واليوم يا والدي، أدركتُ هذا، وعلمتُ أنني سأبقى في كل هذه الدوامات، ولن نصل إلى شيء مطلقًا.

في اليومِ التالي، لم يكن أحد.

مرحبًا،

ها أنا اليوم أعود لأكتبَ من جديد، لا فكرة محددة عمّا سأكتبه، لكنني سأكتبُ عن أشياءٍ مضت في العمر، ما فتأت تضربُ بي الأرض مرة تلو أخرى.

لستُ أدري من أين أبتدئ قولي، لأني لستُ أعرف من أي نقطةٍ بدأت كل تلك الأحداث، كل تلك الأحداث كانت غريبةً، وبالغةً في الغرابة، وما إن أحكي لبعضِ الغُرباءِ أجزاءً منها أجدُهم يرددون:”كما يحدث في الأفلام.”، وهم قد خفيت عنهم أجزاءً أخرى كثيرة، فإذا كان ذلك الجزء الصغير كالأفلام، فكيف لو عرفوا عن بقية اللمحات والأحداث؟ لربما لقالوا أنها حلمٌ، أو قصةٌ أسطورية لفّقها شيخٌ كبير ليرفّه عن أطفال القرية.

لربما تبتدئ القصة من لحظةِ موغلةٍ في البُعد، من لحظةِ الاغتراب الذي يرافقني منذ الطفولة، اغترابٌ عن الأهل، عن الغير، عن النفس، عن الكون والعالم.. ولربما تبتدئ القصة من إنسانٍ وُجد قبيل قرونٍ عدة، ولربما من إنسان وجد كأول بشريٍّ وقف على هذه الأرض، لربما تبتدئ قصّتي من آدم، من ذلك الإنسان الذي كان في الجنّة، وفي اليوم التالي.. لم يكن أحد.

لربما أراني، وبشكلٍ ما أو بآخر، كقصّةِ إنسانٍ بسيط، إنسانٌ عاشرَ القريةَ وما قبلها، ورأى الصحراء وما في بطنها، وترقّى في الدُنيا حتى بلغت به السُبُل إلى أعلى مراتبِ الأرض، ورأى بحارً وسهولًا وجبالًا.. ومضى، مضى لا يلوي على هذه الديار، غريبًا، وحيدًا، دونما أحد، ولا لأجلِ أحد.

لربما أراني، كذلك المتوحد، الذي يمشِّطُ الأرض بحثًا عن ذاته، وصدرهُ موغلٌ في الوجدِ، يبحثُ عن أناه التي ما زالت تفتّش عن كينونتها في هذا العالم الكبير، يمضي، ويسافر، ويذهب ويعود، حد أنه نسي طبيعة أهل المكان الذي يعيشُ فيه.

متوحدٌ في غرفتي، وممتلئٌ بأفكاري، وقضاياي، ومنسلخٌ تمامًا من كل مالا أشعرُ بأنه مني، منسلخٌ من تلك القرية، وغيرَ منتمٍ أبدًا للمكان الذي يعيش فيه، فكأنني الوسطُ، الوسطُ المنطقي، والوسطُ الرمادي، الذي هو أشياءٌ كثيرةٌ في ذاته، ولا ينتمي لأي طرف.

مرةً، قال لي أحد الرفاق:”من يراك، لن يعرف أنك من قرية.”، ألهذه الدرجة أنا موغلٌ في بعدي؟، أهذه الدرجة لستُ منتميًا إلى ذلك المكان؟، ربما، حد أن كل هذا، ظهرَ على جوارحي، حينما عدت مرةً لتلك القرية، التفَّ حولي صغارُها، ولستُ أنسى تلك الأيام، سألني أحدهم:”أأنت قادمٌ من أمريكا؟”.. وهذا وأنا لم أخرج من السعودية بعد، فيا ترى ماذا سيقول لو خرجت؟، لربما سيقول:”أأنت قادمٌ من مجرةٍ أخرى؟” ربما!.

في تلك الزيارة الصغيرة للقرية، حينما التفَّ حولي صغارها، كنتُ أطرحُ عليهم مسائل رياضيةً وعلمية، لكنني لا أطرحها كما يُطرحُ سؤالٌ في المدرسة، كنت أحاول أن أشرحها لهم كمفهومٍ بسيط، كشيءٍ حدسي، ولا أنسى حينما قال لي أحدهم:”لو أنت معلم، لكان كل الطلاب يحبونك.”، ربما هذه الكلمات الصغيرة، هي ما ربطت على قلبي من جديد وجعلتني أودُّ لو أحدث أثرًا في ذلك المكان، قلتُ مرةً هذا الأمر لأحدهم، وقال لي فيما معناه، لم يجتمعوا حولك لأنهم يريدون التعلم، بل لأنك كائنٌ غريب عنهم، حسنًا، لستُ مقتنعًا بهذا، وإن كان الأمر كذلك، فلا بأس، فلربما شيءٌ مما كنتُ أقول، يبلغُ عقولهم ويفتّح لهم مداركهم، ولربما يخرج منهم من يغيّر تلك الأرض الصغيرة، فلا يغيّر الأرض إلا عالمٌ راسخٌ في علمه، لا ذلك الذي يجمعُ الدرجات، ولا ذلك الذي هو صاحبُ المال، الذي يظنُّ أنه بالمال قد امتلك واقتدر على كل شيء.

لربما، وبعد كل هذه التجارب، وكل هذه الأحداث، أدركتُ طبيعتي أكثر من أي لحظةٍ مضت، وأكثر من تلك اللحظات التي كنتُ فيها في تلك القرية، وذلك أنني، لستُ سوى إنسانٌ يبحث عن العلوم لشيءٍ في نفسه، ويتلقّفُ على المعرفة يومًا تلو آخر، وإن كانت ظروفهُ وأحواله لم تسمح له يومًا أن يصل إلى أهله.

وأخيرًا، هذا طريقي، وهذه حياتي، وهذا أمري وقد اخترته وأردته، وسواءً جارَ الزمانُ عليَّ، أو رضي، لغيرِ هذا الطريق لن أمشي، وسأظلُّ ماضيًا في أموري جميعها، مهما كانت الظروف.

فيا غريبَ الدار، هل كان في اليوم الذي تلى التالي .. أحد؟.

عودةٌ إلى الكتابة.

مرحبًا.

متى كانت آخرُ مرةٍ نشرتُ فيها شيئًا يخص ما أكتب؟ لستُ أذكر، لقد مضى زمنٌ طويل، وتبدلت ظروف الحياة، واختلفت، وما عادت الأمور كسابقتها.. وأعتقد أنه قد ناسبت الظروف للعودة إلى الكتابةِ من جديد.

وليس يهم الآن سوى اسمي، وأني أعيشُ الآن بعيدًا غريبًا، في غرفةٍ صغيرةٍ، لا تتجاوز مساحتها ستة عشرة بلاطةً مربعة.. أعيشُ، بين كتبٍ، وموسيقى، وأمورٍ أخرى، دون التقاءٍ كثيرٍ بالبشر.

لا زلتُ أدرس في الجامعة، ولم أتخرج بعد، ولا زلتُ أحارشُ الحياة وتحارشني مراتٍ عدة، ولا زلتُ غير راضٍ كفايةً عن نفسي وما بلغته، وما زلتُ أحاول أن أصل إلى ما أريد.

أحب العلوم، ولا شيء أحبَّ إلى قلبي منها، سوى كوب القهوةِ الأبيض، كوبِ القهوةِ الصغير، الذي يعينني على أن أستزيدَ منها يومًا تلو آخر، دونما تعبٍ أو أرق.

وكوني أحبُّ العلوم، فهذا يعني أن لي نظرتي الخاصة تجاهها، وأني كما أولئك المشتغلين بها، اللهم لم أبلغ علمهم بعد، لاختلاف العمر ليس إلا، لكن هذا لا يعني ألا يقف، وأقول: لستُ مقتنعًا بما تقول، لا أرى منطقًا فيما تحاول أن تصل إليه، إن كنتُ فعلًا أعتقد ذلك بإيمانٍ داخلي، دونما ظلمٍ أو تعدٍ على الآخر، ففي آخر المطاف: كلنا بشر، وكلنا لا زلنا نتعلم من كتاب هذا العالم الكبير، ونخطئ كثيرًا.

ونتيجةً لما سبق، قبيل أيامٍ، حسمتُ أمري فيما يخصُّ ما أدرس في الجامعة، أدرسُ الرياضيات، لكنني لا أراها كما يراها أهلها، فوقفت أمام أحد دكاترتنا، وقلتُ له ما أرى، أني أختلف معهم في النظر، وحسمتُ ذلك النزاع الذي بداخلي تجاه ما أتعلم، وكان متقبلًا لهذا نوعًا ما، ومحبطًا من جهةٍ أخرى، لكنني أعتقدُ في قرارة نفسي أني فعلتُ الصواب، لأن طبيعة العلوم تقتضي الاختلاف، ولولا الخلاف لما قام كثيرٌ من العلم.

أعيشُ الآن، ولستُ أعلم عن المستقبل، لكنني لا زلت أحاول التلقُّفَ على المعرفة، والاستزادة منها قدرَ المستطاع، وأدركُ يقينًا، أنه ما من قوّة أقوى من المعرفة، وأن العلوم فيها صلاحُ الإنسان وسعادته، وفيها أيضًا تكمنُ القوّة القادرة على أن تُسقط دولًا، وحكومات، فأيُّ النجدينِ أيها الإنسان ستختار؟ فأيُّ النجدينِ أيها الإنسان ستختار؟.

بالنسبةِ لي، اخترتُ الأول، اخترتُ أن أسخّر ما أعرف للغير، لأني أدركتُ في مرحلةٍ ما، أن كل ما أتعلمه، وكل ما أعرفه، لا فائدة منها إطلاقًا إن لم يصل إلى الناس، وإن لم يغيّر من حياتهم وذواتهم، ويرفع عنهم الجهل الذي هم فيه، وليسَ الجهلُ هاهنا عيبًا، بل العيبُ كل العيب في أن تجهل جهلك، وما الإنسان إلا بحاجة إلى ما ينفضُ اعتقاده الأخير، ليدرك مكانه ومكانته في هذا العالم.

قد تسأل يا صاحبي، ومن أنتَ لتفعل هذا كلّه؟ سأقول، جوابًا عليك: كفايّ من نفسي أني امرئٌ مدركٌ لتفاصيل جهله أكثر من علمه، ويكفي بهذا أن أنقلَ ما أعرف إلى الآخر، وينقل الآخر لي ما يعرف، وخُذِ الحكمة ولو من فاهِ مجنون.

وما هذه إلا خواطرٌ في نفسي، ربما سأدأبُ على كتابتها بشكلٍ يومي، وربما سأتوقف في لحظةٍ من العمر، لستُ أعلم، لكنها محاولةُ لإنسان يعبّر عن نفسه وسط هذا العالم، الذي لا زال يومًا تلو آخر يحاول أن يفهمه بشكلٍ جيد، ويكتشف أنه لا زال ينقصه الكثير.

والسلامُ..

-فارس.