في اليومِ التالي، لم يكن أحد.

مرحبًا،

ها أنا اليوم أعود لأكتبَ من جديد، لا فكرة محددة عمّا سأكتبه، لكنني سأكتبُ عن أشياءٍ مضت في العمر، ما فتأت تضربُ بي الأرض مرة تلو أخرى.

لستُ أدري من أين أبتدئ قولي، لأني لستُ أعرف من أي نقطةٍ بدأت كل تلك الأحداث، كل تلك الأحداث كانت غريبةً، وبالغةً في الغرابة، وما إن أحكي لبعضِ الغُرباءِ أجزاءً منها أجدُهم يرددون:”كما يحدث في الأفلام.”، وهم قد خفيت عنهم أجزاءً أخرى كثيرة، فإذا كان ذلك الجزء الصغير كالأفلام، فكيف لو عرفوا عن بقية اللمحات والأحداث؟ لربما لقالوا أنها حلمٌ، أو قصةٌ أسطورية لفّقها شيخٌ كبير ليرفّه عن أطفال القرية.

لربما تبتدئ القصة من لحظةِ موغلةٍ في البُعد، من لحظةِ الاغتراب الذي يرافقني منذ الطفولة، اغترابٌ عن الأهل، عن الغير، عن النفس، عن الكون والعالم.. ولربما تبتدئ القصة من إنسانٍ وُجد قبيل قرونٍ عدة، ولربما من إنسان وجد كأول بشريٍّ وقف على هذه الأرض، لربما تبتدئ قصّتي من آدم، من ذلك الإنسان الذي كان في الجنّة، وفي اليوم التالي.. لم يكن أحد.

لربما أراني، وبشكلٍ ما أو بآخر، كقصّةِ إنسانٍ بسيط، إنسانٌ عاشرَ القريةَ وما قبلها، ورأى الصحراء وما في بطنها، وترقّى في الدُنيا حتى بلغت به السُبُل إلى أعلى مراتبِ الأرض، ورأى بحارً وسهولًا وجبالًا.. ومضى، مضى لا يلوي على هذه الديار، غريبًا، وحيدًا، دونما أحد، ولا لأجلِ أحد.

لربما أراني، كذلك المتوحد، الذي يمشِّطُ الأرض بحثًا عن ذاته، وصدرهُ موغلٌ في الوجدِ، يبحثُ عن أناه التي ما زالت تفتّش عن كينونتها في هذا العالم الكبير، يمضي، ويسافر، ويذهب ويعود، حد أنه نسي طبيعة أهل المكان الذي يعيشُ فيه.

متوحدٌ في غرفتي، وممتلئٌ بأفكاري، وقضاياي، ومنسلخٌ تمامًا من كل مالا أشعرُ بأنه مني، منسلخٌ من تلك القرية، وغيرَ منتمٍ أبدًا للمكان الذي يعيش فيه، فكأنني الوسطُ، الوسطُ المنطقي، والوسطُ الرمادي، الذي هو أشياءٌ كثيرةٌ في ذاته، ولا ينتمي لأي طرف.

مرةً، قال لي أحد الرفاق:”من يراك، لن يعرف أنك من قرية.”، ألهذه الدرجة أنا موغلٌ في بعدي؟، أهذه الدرجة لستُ منتميًا إلى ذلك المكان؟، ربما، حد أن كل هذا، ظهرَ على جوارحي، حينما عدت مرةً لتلك القرية، التفَّ حولي صغارُها، ولستُ أنسى تلك الأيام، سألني أحدهم:”أأنت قادمٌ من أمريكا؟”.. وهذا وأنا لم أخرج من السعودية بعد، فيا ترى ماذا سيقول لو خرجت؟، لربما سيقول:”أأنت قادمٌ من مجرةٍ أخرى؟” ربما!.

في تلك الزيارة الصغيرة للقرية، حينما التفَّ حولي صغارها، كنتُ أطرحُ عليهم مسائل رياضيةً وعلمية، لكنني لا أطرحها كما يُطرحُ سؤالٌ في المدرسة، كنت أحاول أن أشرحها لهم كمفهومٍ بسيط، كشيءٍ حدسي، ولا أنسى حينما قال لي أحدهم:”لو أنت معلم، لكان كل الطلاب يحبونك.”، ربما هذه الكلمات الصغيرة، هي ما ربطت على قلبي من جديد وجعلتني أودُّ لو أحدث أثرًا في ذلك المكان، قلتُ مرةً هذا الأمر لأحدهم، وقال لي فيما معناه، لم يجتمعوا حولك لأنهم يريدون التعلم، بل لأنك كائنٌ غريب عنهم، حسنًا، لستُ مقتنعًا بهذا، وإن كان الأمر كذلك، فلا بأس، فلربما شيءٌ مما كنتُ أقول، يبلغُ عقولهم ويفتّح لهم مداركهم، ولربما يخرج منهم من يغيّر تلك الأرض الصغيرة، فلا يغيّر الأرض إلا عالمٌ راسخٌ في علمه، لا ذلك الذي يجمعُ الدرجات، ولا ذلك الذي هو صاحبُ المال، الذي يظنُّ أنه بالمال قد امتلك واقتدر على كل شيء.

لربما، وبعد كل هذه التجارب، وكل هذه الأحداث، أدركتُ طبيعتي أكثر من أي لحظةٍ مضت، وأكثر من تلك اللحظات التي كنتُ فيها في تلك القرية، وذلك أنني، لستُ سوى إنسانٌ يبحث عن العلوم لشيءٍ في نفسه، ويتلقّفُ على المعرفة يومًا تلو آخر، وإن كانت ظروفهُ وأحواله لم تسمح له يومًا أن يصل إلى أهله.

وأخيرًا، هذا طريقي، وهذه حياتي، وهذا أمري وقد اخترته وأردته، وسواءً جارَ الزمانُ عليَّ، أو رضي، لغيرِ هذا الطريق لن أمشي، وسأظلُّ ماضيًا في أموري جميعها، مهما كانت الظروف.

فيا غريبَ الدار، هل كان في اليوم الذي تلى التالي .. أحد؟.

اترك رد