عودةٌ إلى الكتابة.

مرحبًا.

متى كانت آخرُ مرةٍ نشرتُ فيها شيئًا يخص ما أكتب؟ لستُ أذكر، لقد مضى زمنٌ طويل، وتبدلت ظروف الحياة، واختلفت، وما عادت الأمور كسابقتها.. وأعتقد أنه قد ناسبت الظروف للعودة إلى الكتابةِ من جديد.

وليس يهم الآن سوى اسمي، وأني أعيشُ الآن بعيدًا غريبًا، في غرفةٍ صغيرةٍ، لا تتجاوز مساحتها ستة عشرة بلاطةً مربعة.. أعيشُ، بين كتبٍ، وموسيقى، وأمورٍ أخرى، دون التقاءٍ كثيرٍ بالبشر.

لا زلتُ أدرس في الجامعة، ولم أتخرج بعد، ولا زلتُ أحارشُ الحياة وتحارشني مراتٍ عدة، ولا زلتُ غير راضٍ كفايةً عن نفسي وما بلغته، وما زلتُ أحاول أن أصل إلى ما أريد.

أحب العلوم، ولا شيء أحبَّ إلى قلبي منها، سوى كوب القهوةِ الأبيض، كوبِ القهوةِ الصغير، الذي يعينني على أن أستزيدَ منها يومًا تلو آخر، دونما تعبٍ أو أرق.

وكوني أحبُّ العلوم، فهذا يعني أن لي نظرتي الخاصة تجاهها، وأني كما أولئك المشتغلين بها، اللهم لم أبلغ علمهم بعد، لاختلاف العمر ليس إلا، لكن هذا لا يعني ألا يقف، وأقول: لستُ مقتنعًا بما تقول، لا أرى منطقًا فيما تحاول أن تصل إليه، إن كنتُ فعلًا أعتقد ذلك بإيمانٍ داخلي، دونما ظلمٍ أو تعدٍ على الآخر، ففي آخر المطاف: كلنا بشر، وكلنا لا زلنا نتعلم من كتاب هذا العالم الكبير، ونخطئ كثيرًا.

ونتيجةً لما سبق، قبيل أيامٍ، حسمتُ أمري فيما يخصُّ ما أدرس في الجامعة، أدرسُ الرياضيات، لكنني لا أراها كما يراها أهلها، فوقفت أمام أحد دكاترتنا، وقلتُ له ما أرى، أني أختلف معهم في النظر، وحسمتُ ذلك النزاع الذي بداخلي تجاه ما أتعلم، وكان متقبلًا لهذا نوعًا ما، ومحبطًا من جهةٍ أخرى، لكنني أعتقدُ في قرارة نفسي أني فعلتُ الصواب، لأن طبيعة العلوم تقتضي الاختلاف، ولولا الخلاف لما قام كثيرٌ من العلم.

أعيشُ الآن، ولستُ أعلم عن المستقبل، لكنني لا زلت أحاول التلقُّفَ على المعرفة، والاستزادة منها قدرَ المستطاع، وأدركُ يقينًا، أنه ما من قوّة أقوى من المعرفة، وأن العلوم فيها صلاحُ الإنسان وسعادته، وفيها أيضًا تكمنُ القوّة القادرة على أن تُسقط دولًا، وحكومات، فأيُّ النجدينِ أيها الإنسان ستختار؟ فأيُّ النجدينِ أيها الإنسان ستختار؟.

بالنسبةِ لي، اخترتُ الأول، اخترتُ أن أسخّر ما أعرف للغير، لأني أدركتُ في مرحلةٍ ما، أن كل ما أتعلمه، وكل ما أعرفه، لا فائدة منها إطلاقًا إن لم يصل إلى الناس، وإن لم يغيّر من حياتهم وذواتهم، ويرفع عنهم الجهل الذي هم فيه، وليسَ الجهلُ هاهنا عيبًا، بل العيبُ كل العيب في أن تجهل جهلك، وما الإنسان إلا بحاجة إلى ما ينفضُ اعتقاده الأخير، ليدرك مكانه ومكانته في هذا العالم.

قد تسأل يا صاحبي، ومن أنتَ لتفعل هذا كلّه؟ سأقول، جوابًا عليك: كفايّ من نفسي أني امرئٌ مدركٌ لتفاصيل جهله أكثر من علمه، ويكفي بهذا أن أنقلَ ما أعرف إلى الآخر، وينقل الآخر لي ما يعرف، وخُذِ الحكمة ولو من فاهِ مجنون.

وما هذه إلا خواطرٌ في نفسي، ربما سأدأبُ على كتابتها بشكلٍ يومي، وربما سأتوقف في لحظةٍ من العمر، لستُ أعلم، لكنها محاولةُ لإنسان يعبّر عن نفسه وسط هذا العالم، الذي لا زال يومًا تلو آخر يحاول أن يفهمه بشكلٍ جيد، ويكتشف أنه لا زال ينقصه الكثير.

والسلامُ..

-فارس.

تعليقان (2) على “عودةٌ إلى الكتابة.”

    1. أهلًا. ما قلتُ له، أني لستُ مع ذلك التوجه الذي يُعنى بحل الألغاز والمسائل، بل أني أميل أكثر إلى من يرى في الرياضيات بُنًى منطقية عامة، وأفكارًا تجريدية، وهذه هي نظرتي للرياضيات عمومًا.

اترك رد