في البحثِ عن المعرفة، كطريقٍ مرهق.

مرحبًا.

ها أنا ذا أعودُ لأكتُبَ من جديد، لأزيحَ ذلك الثقلَ عن صدري مرةً أخرى، ولأحاول أن أفهم أنايّ من جديد، لعلَّني أجدُ سبيلًا مجددًا لي في هذه الحياة.

أقفُ اليوم، وعمري بضعةٌ وعشرين عامًا، ولا زلتُ لم أجد جوابًا لسؤالي حينما كنتُ طفلًا، لذلك السؤال الذي سألته والدي علّني أجدُ إجابةً حينها لأهيَّأ نفسي لما هو قادم، وما علم ابن العاشرة حينها أنه لا إجابة مطلقةً لسؤاله أبدًا، وأنه سيبقى، عالقًا في دوّامةِ الأحداثِ دون أن يعي.

مرّت اثنى عشرةَ عامًا يا والدي، مرت اثنى عشرة عامًا ولا زال ابنُك يبحثُ عن ما في صدرهِ، دون أن يعي مرةً أخرى أنه عالقٌ في متاهات الإجابة، وأنه يعيشُ إجابةَ سؤاله الذي لا زالَ ينغزُ صدره منذ القدم.

يا والدي، مرّت كل تلك السنون، ومضى أهلها جميعًا، لكن لا زال سؤالي يتعبني، لا زلتُ يا والدي أمرُّ على الأماكن ذاتها، لكنني أرى أوجهًا مختلفةً لذات الكتاب، الكتاب الذي عهدته سابقًا، الكتاب الذي كان من المفترض أن يكون طريقي الثابت، الذي لن يتغير أبدًا.

يا والدي، أتذكرُ كم مرةً مررنا على حيِّ الرويس في جدّة، لتقلّني إلى حفلِ “المتفوقين”؟ أتذكرُ كم مرةً مضينا على الدروب ذاتها، إنني أذكرها، وأتذكر تفاصيلها تمامًا، كانت ثلاثة مرّات متعاقبة، ولا زلتُ أذكر أنه في المرة الأولى، أتاني صحفيٌّ من صحيفة الجزيرة وأجرى معي مقابلةً لينشرها في الصحيفة، ولا زلتُ أذكر أني تلعثمتُ حينها وشططتُ في حديثي، وما رأيتُ شيئًا يخصني في الصحيفة اليوم التالي، ولا زلتُ أذكرُ كاميرا الفيديو الصغيرة التي كنتَ تصوّرني بها، وأنني كنتُ محرجًا جدًا من نفسي حينها، وكنتم -ولا زلتم- تخففون من إحراجي وكرهي لنفسي.

أتذكرُ يا والدي ذلك الطريق الصغير؟، لقد مررنا عليه كثيرًا، ومررتُ عليهِ قُبيل أسابيع، ولم يكن كما كان، ولم يكن شيئًا مما أذكره أبدًا، يا والديّ، الأمرُ ذاته حدث مع أماكن أخرى، الأمرُ ذاته حدث مع الدنيا بأكملها.

يا والدي، أكتبُ لك، وأرى نفسي من منظارٍ بعيد، وأتأملُ الأحداث خلفي، وأدركُ أني الوحيد، الذي لم يتغيّر طوال تلك الأعوام من الخارج، لا زلتُ يا والدي في نظر الآخرين ذلك الغريب، الغامض، الذي لا يعرفه أحد، ولا زلتُ يا والدي ذلك الصامت الذي لا يتحدث أبدًا، وإن تحدّث رأى تبدّلَ الملامح، واختلاف النظرات.

يا والدي، ما الذي يفعله الذي كلما ذهب لمكان وجد أحوال من حوله لا تخرج عن حالتين، إما إعجابٌ وإما إنكارٌ، ما الذي يفعله يا والدي من يذهبُ ويتحدث عن نفسه على طبيعتها، فيجدُ تكذيبًا أو مناكفةً؟، ما الذي يفعله يا والدي ذلك الإنسان، الذي يدخلُ عليه مديره ليخبره بأن كان يُختبر، ورجل الأعمال ذاك الذي طرده من مكتبه ظنًا منه أنه “يتفشخر”، وتلك الجهة التي دخلها ليكتشف أنهم أخذوه سخريةً وطقطقةً، غير مصدّقين أنه فعلًا كذلك، يناكفونه:”يا فلان.. لا تنسى تقابل المبتعث من كندا..”، وغيرها من عبارات المناكفة التي لا تتوقف.

يا والدي، يستطيع الإنسان أن يقف، وأن يتحدث، وأن يثبت، ويتكلم، لكنه زاهدٌ في كل ماهم يبتغونه، دعهم، دعهم، ولسوفَ يأتي بيننا ذات يومٍ جواب، جوابٌ يشفي كل ما في الصدرِ من ألمِ.

أما والآن يا والدي، إنني أتذكّر جيدًا إجابتك على سؤالي:”سننشغل بشيءٍ آخر، وكذا هي الحياة.” .. واليوم يا والدي، أدركتُ هذا، وعلمتُ أنني سأبقى في كل هذه الدوامات، ولن نصل إلى شيء مطلقًا.

في الزُمر In Groups

سأتناول في هذه المقالة الزمر Groups في الرياضيات، من ناحية حدسية بعيدة عن الناحية الأكاديمية الدرسية، فليس المُراد من هذه المقالة تعريف القارئ على الزُمرة، بقدر ما أنه دراسة فكرية للزمرة وما تتحملها من معاني كما أفهمها، وقد أصيبُ وقد أخطئ.

بدايةً ما معنى الزمرة؟ لنطّلع على المسلمات، ولنحاول فهمها وتفكيكها، وفهم ما يقتضي عنها، سنجد في غالب الكُتب ما يأتي:

نقول عن \((S,*)\) بحيث أن \(S\) مجموعة Set ، و \(*\) عملية عليها، إذا تحققت المسلمات الآتية:

  1. مسلمة الإغلاق، ونعني بها أن العملية \(*\) ناتجها دائمًا في داخل المجموعة \(S\)، أي أن هذا النظام مغلق تحت تأثير العملية ولا يمكن أن ينتج من تطبيق العملية عنصر خارج عن هذا النظام، تصوّرها كصندوق مغلق، إذا أخذت أي شيئين فيه، و”مزجتهما” ستجد ناتج المزج موجود لديك سابقًا في الصندوق، أو ربما كنغمتين صوتيين مختلفتين، إذا وصلتهما خرجت لك نغمة في ذات مجموعة النغمات، نستطيع القول وإجمالًا: أن العملية لا يمكن أن تعطي شيئًا خارجًا عن المجموعة، بل دائمًا ما تعيدنا إلى عنصرٍ في المجموعة.
  2. مسلمة التجميع \(Associative \space Law\)، ونعني بها بشكلٍ مختصر، أنه لو أخذت أي عدة عناصر في المجموعة وطبقت عليها العملية ذاتها، فترتيب تطبيقك للعملية على العناصر لن يغير النتيجة أبدًا، فلو كانت لديك 3 عناصر، فهناك \(3!\) طرق لتطبيق العملية، وفي كل هذه الطرق ستكون النتيجة دومًا واحدة، نستطيع اعتبارها كأن تأخذ 3 كتب لها متساوية الخصائص: أي لها نفس العنوان، والطبعة، والغلاف..الخ، وأردت ترتيبها على الرف، فبأي ترتيب وضعتها، سيبقى الشكل ذاته دومًا، أو أردت أن تفتح عدّة أبواب متعاقبة في بناء لفتح مسار، فبأي ترتيب بدأت بفتح الأبواب(من داخل البناء أومن خارجه)، فالنتيجة دومًا واحدة: الأبواب جميعها ستكون مفتوحة، وسيكون المسار مهيئًا للمشي فيه.
  3. وجود عنصر محايد \(Identity\)، ونعني به العنصر الذي حينما نأخذه مع عنصر آخر ونطبق عليهما العملية، فالعنصر الآخر لا يتغير، بمعنًى آخر: لا تأثير له على العناصر في هذه العملية، فمثلًا، لو أخذنا مجموعة مجموعة زوايا التدويرات الممكنة للأشكال Rotation، وأردنا أن “نجمع” زاوية تدوير \(x\) مع ما مقداره الزاوية \(0\) ، فسيكون الناتج دومًا الزواية \(x\)، لأن الزاوية \(0\) تعني أنه لا تقم بفعل أي شيء، فبالتالي لا تأثير لها على عملية الجمع بين زوايا التدوير، وبالمناسبة التحويلات الهندسية Transformation تحتوي على أمثلة كثيرة لبُنية الزمرة.
  4. وجود عنصر نظير \(Inverse\) لأي عنصر في المجموعة، وما نعنيه بهذا، هو أنه لأي عنصر يوجد دومًا على الأقل عنصر آخر حينما نطبق عليهما العملية سينتج المحايد، أي أنه يعيد العنصر إلى حالة الحياد، فمثلًا إذا اعتبرنا مجموعة زوايا التدوير وهي 360 درجة، فإذا قمنا بتدوير الشكل بزاوية \(x\) فإنه توجد زاوية \(x^{-1}\) نستطيع أن نطبقها على الشكل لنعيده إلى حالته الأساسية وهي الزاوية \(0\) .

هذه المسلمات الأربعة للزمرة، لكنني أستطيع القول، بشكلٍ مبسط، أن الزمرة هي ما يشبه الخط الذي في منتصفه 0، وتتحرك حوله يمينًا أو يسارًا، وكيفما ابتعدت فإنه دائمًا بإمكانك العودة إلى المنتصف، ولا يهم مشيت خطوة ثم خطوتين ثم ثلاثة خطوات، أو خطوتين ثم ثلاث خطوات ثم خطوة، فستجد نفسك في المكان ذاته، فهي تمثّل التوازن، وأستطيع أن أمثلها-وهذا مثالٌ متجاوز لأجل التفهيم- بالبشر وأنفسهم، فكل إنسان في هذه الأرض له من يضاده في نفسه، فيحنما تشطط نفس إنسان: بأن تغضب، سيجد أن هناك آخرًا سيقوم بتهدئته، ليعود العالم إلى اتزانه الذي كان، ونستطيع القول أنه شيء أشبه بالتدافع يحصل ليصل الكون إلى اتزانه الأول.

للزمرة عدة خصائص، وعدة أفكار، فمثلًا، فالمُحايد \(Identity\) دومًا وحيد \(Uniqe\)، وأنه لكل عنصر نظيرٌ \(Inverse\) واحد فقط، وهذه تعتبر نظريات، وليست من المسلمات، لأنها تنتج من من تطبيق المسلمات، فمثلًا وحدانية المحايد تجد اقتضاءها من مسلمة الإغلاق، ووحدانية النظير تجد اقتضاءها من مسلمة التجميع، وليس المحل هنا محلًا للإثبات والبرهنة على ذلك.

وربما من أجمل الأمثلة على بُنية الزمرة، هي مجموعة التباديل الممكنة لأي مجموعة منتهية من العناصر، وستجد الرياضيين قد أشبعوها بحثًا ودراسة، فمثلًا، لو كان لدينا 52 ورقة مرقمة مرتبة بترتيب عشوائي، فإننا نستطيع أن نعيدها إلى ترتيبها الأساسي المرقم مباشرةً عن طريق “تبديل” وحيد، واحتمالية أن نجد هذا التبديل من المرة الأولى:$$\frac{1}{52!}$$ أأبصرت الجمال؟، استطعنا أن نعيد ترتيب الأوراق مباشرةً بتبديل واحد، وليس هذا وحسب، بل استطعنا أيضًا أن نحسب احتمال أن نأتي به من المحاولة الأولى!.

وهنا يكمن جمال الرياضيات والعلوم النظرية، بأن نفهم العالم بشكلٍ يساعدنا على أن نعيش، ويهبنا القدرة على أن نفسّر الأشياء ونستفيد من تفسيراتنا هذه.

هذا، والسلام..

في اليومِ التالي، لم يكن أحد.

مرحبًا،

ها أنا اليوم أعود لأكتبَ من جديد، لا فكرة محددة عمّا سأكتبه، لكنني سأكتبُ عن أشياءٍ مضت في العمر، ما فتأت تضربُ بي الأرض مرة تلو أخرى.

لستُ أدري من أين أبتدئ قولي، لأني لستُ أعرف من أي نقطةٍ بدأت كل تلك الأحداث، كل تلك الأحداث كانت غريبةً، وبالغةً في الغرابة، وما إن أحكي لبعضِ الغُرباءِ أجزاءً منها أجدُهم يرددون:”كما يحدث في الأفلام.”، وهم قد خفيت عنهم أجزاءً أخرى كثيرة، فإذا كان ذلك الجزء الصغير كالأفلام، فكيف لو عرفوا عن بقية اللمحات والأحداث؟ لربما لقالوا أنها حلمٌ، أو قصةٌ أسطورية لفّقها شيخٌ كبير ليرفّه عن أطفال القرية.

لربما تبتدئ القصة من لحظةِ موغلةٍ في البُعد، من لحظةِ الاغتراب الذي يرافقني منذ الطفولة، اغترابٌ عن الأهل، عن الغير، عن النفس، عن الكون والعالم.. ولربما تبتدئ القصة من إنسانٍ وُجد قبيل قرونٍ عدة، ولربما من إنسان وجد كأول بشريٍّ وقف على هذه الأرض، لربما تبتدئ قصّتي من آدم، من ذلك الإنسان الذي كان في الجنّة، وفي اليوم التالي.. لم يكن أحد.

لربما أراني، وبشكلٍ ما أو بآخر، كقصّةِ إنسانٍ بسيط، إنسانٌ عاشرَ القريةَ وما قبلها، ورأى الصحراء وما في بطنها، وترقّى في الدُنيا حتى بلغت به السُبُل إلى أعلى مراتبِ الأرض، ورأى بحارً وسهولًا وجبالًا.. ومضى، مضى لا يلوي على هذه الديار، غريبًا، وحيدًا، دونما أحد، ولا لأجلِ أحد.

لربما أراني، كذلك المتوحد، الذي يمشِّطُ الأرض بحثًا عن ذاته، وصدرهُ موغلٌ في الوجدِ، يبحثُ عن أناه التي ما زالت تفتّش عن كينونتها في هذا العالم الكبير، يمضي، ويسافر، ويذهب ويعود، حد أنه نسي طبيعة أهل المكان الذي يعيشُ فيه.

متوحدٌ في غرفتي، وممتلئٌ بأفكاري، وقضاياي، ومنسلخٌ تمامًا من كل مالا أشعرُ بأنه مني، منسلخٌ من تلك القرية، وغيرَ منتمٍ أبدًا للمكان الذي يعيش فيه، فكأنني الوسطُ، الوسطُ المنطقي، والوسطُ الرمادي، الذي هو أشياءٌ كثيرةٌ في ذاته، ولا ينتمي لأي طرف.

مرةً، قال لي أحد الرفاق:”من يراك، لن يعرف أنك من قرية.”، ألهذه الدرجة أنا موغلٌ في بعدي؟، أهذه الدرجة لستُ منتميًا إلى ذلك المكان؟، ربما، حد أن كل هذا، ظهرَ على جوارحي، حينما عدت مرةً لتلك القرية، التفَّ حولي صغارُها، ولستُ أنسى تلك الأيام، سألني أحدهم:”أأنت قادمٌ من أمريكا؟”.. وهذا وأنا لم أخرج من السعودية بعد، فيا ترى ماذا سيقول لو خرجت؟، لربما سيقول:”أأنت قادمٌ من مجرةٍ أخرى؟” ربما!.

في تلك الزيارة الصغيرة للقرية، حينما التفَّ حولي صغارها، كنتُ أطرحُ عليهم مسائل رياضيةً وعلمية، لكنني لا أطرحها كما يُطرحُ سؤالٌ في المدرسة، كنت أحاول أن أشرحها لهم كمفهومٍ بسيط، كشيءٍ حدسي، ولا أنسى حينما قال لي أحدهم:”لو أنت معلم، لكان كل الطلاب يحبونك.”، ربما هذه الكلمات الصغيرة، هي ما ربطت على قلبي من جديد وجعلتني أودُّ لو أحدث أثرًا في ذلك المكان، قلتُ مرةً هذا الأمر لأحدهم، وقال لي فيما معناه، لم يجتمعوا حولك لأنهم يريدون التعلم، بل لأنك كائنٌ غريب عنهم، حسنًا، لستُ مقتنعًا بهذا، وإن كان الأمر كذلك، فلا بأس، فلربما شيءٌ مما كنتُ أقول، يبلغُ عقولهم ويفتّح لهم مداركهم، ولربما يخرج منهم من يغيّر تلك الأرض الصغيرة، فلا يغيّر الأرض إلا عالمٌ راسخٌ في علمه، لا ذلك الذي يجمعُ الدرجات، ولا ذلك الذي هو صاحبُ المال، الذي يظنُّ أنه بالمال قد امتلك واقتدر على كل شيء.

لربما، وبعد كل هذه التجارب، وكل هذه الأحداث، أدركتُ طبيعتي أكثر من أي لحظةٍ مضت، وأكثر من تلك اللحظات التي كنتُ فيها في تلك القرية، وذلك أنني، لستُ سوى إنسانٌ يبحث عن العلوم لشيءٍ في نفسه، ويتلقّفُ على المعرفة يومًا تلو آخر، وإن كانت ظروفهُ وأحواله لم تسمح له يومًا أن يصل إلى أهله.

وأخيرًا، هذا طريقي، وهذه حياتي، وهذا أمري وقد اخترته وأردته، وسواءً جارَ الزمانُ عليَّ، أو رضي، لغيرِ هذا الطريق لن أمشي، وسأظلُّ ماضيًا في أموري جميعها، مهما كانت الظروف.

فيا غريبَ الدار، هل كان في اليوم الذي تلى التالي .. أحد؟.

في الجبرِ المجرد، معنًى وفكرةً

قبيل الدخول في المقالة، أود التنويه:

لن أتبع هاهنا الأسلوب الرياضي المتين، المليء بالبراهين والتعاريف، لكنني سأتبع هاهنا الأسلوب الحدسي، البسيط، الذي هدفه إيصال ذلك الشعور للآخر، لأن تعلم الرياضيات ينقسمُ إلى قسمين حسب ما أرى:

  1. التعلم الحدسي الداخلي.
  2. التعلم المنطقي الخارجي.

في الأول[الحدسي الداخلي]، يكون الإدراك، وتبدأ الأمور تتضح وتتجلى للمتعلم، وما إن يدركها جيدًا، سيستطيع أن يصيغها بشكلٍ لغويٍ متين باستخدام الثاني[المنطقي الخارجي]، وليس هدف الرياضيين من استخدام الثاني إلا لوضع الحدود، وإزالة اللبس الذي قد يسببه الحدس أحيانًا.

أما والآن، فما الجبرُ المجرّد؟

نستطيع القول، اختصارًا: هو دراسة النُظُم الهيكيلية، أي أنها دراسةُ أنظمة هياكل نجدها تتكرر في الحياة بكثرة، فهو ليس محصورًا على العمليات الرياضية، بل أيضًا يمكن تطبيقه على أي مجموعة من الأشياء وعملية عليها، فإذا حققت هذه الأشياء والعملية مسلمات البُنية الجبرية، نستطيع حينها ومن مجرد معرفتنا بأنها تحقق المسلمات استنتاج أنها تحقق كافة الخصائص لتلك البُنية الجبرية، وهذا ما يميز الرياضيات، بأنها دراسة الأفكار عمومًا، والنظم المجردة.

في الجبر المجرد، سنجد مفاهيمًا أساسيًا، يُبنى عليها الأساس المنطقي للبُنية الجبرية، بدايةً من تعريف “مجموعة الأشياء”، إلى تعريف “العملية”، ثم تعريف “البنية الجبرية”، لكنه يجب أن نفرق ما بين المكتوب، وما بين المعنى، ففي المكتوب، نحنُ نستخدم الكائنات الرياضية لوصف الأفكار، لكنه لأجل البناء المنطقي، وتحسين التواصل، وجدنا أنفسنا بحاجة إلى تعريف الأشياء تعريفًا دقيقًا بشكل مكتوب ورصين، لكن على ألا يُؤخذ هذا على أن المكتوب هو حقيقةً الفكرة، فقد يأتي يوم نحتاج فيه إلى كائنات رياضية جديدة يتعارض تعريفها مع تعريفنا للأساسيات، ودائمًا في الفكر الرياضي ما أتبع قاعدة على صيغةِ سؤال، أرى فيها لُب الرياضيات:”لماذا نضع الحدود؟”.

فإذا قلنا بشكلٍ غير رسمي informally أن الجبر المجرد هو: دراسة “مجموعة من الأشياء” و “عملية عليها” تحقق “مسلمات معينة” مع هذه المجموعة، سنجد أنفسنا بحاجة إلى تعريف ما بين علامتي الاقتباس، لإقامة البناء المنطقي “Logical structure” الخاص به، لذلك لننطلق ولنرى ما نتوصل عليه:

  1. مجموعة الأشياء: ماذا نعني بـ”مجموعة الأشياء”؟، لنتوقف قليلًا، ولنحلل ما بين يدينا، إذن ما معنى:”مجموعة” و”الأشياء”؟.
    1. مجموعة: ما هي المجموعة؟ نستطيع القول تجاوزًا-لأنه ليس هذا محلًا للنقاش في أسس الرياضيات المنطقية-، بأنها “سلّة” قد تكون هذه السلة صغيرةً جدًا حد أنها لا تحتوي على أي شيء، أو كبيرًا جدًا جدًا، حد أنها تحتوي على مالانهاية من الأشياء، أي أنها Container يحتوي الأشياء.
    2. الأشياء: الأشياء، في الرياضيات لا معنى واضح لها. فهذه الأشياء قد تكون مجرّدةً كالأعداد، أو حقيقةً واقعية كالملابس مثلًا. لكن كون الرياضيين دائمًا ما يميلون للتجريد، فهم يعتبرونها كائنات رياضية Mathematical Objects ، قد تمثّل أي شيء، هذه الأشياء، هي ما نضعها في السلة التي ذكرتها في نقطة المجموعة(1).
  2. عملية عليها: بدايةً، نحتاج لأن نعرف ما معنى العملية، نستطيع القول، بأن العملية هي التجريد الرياضي للفعل، أي أنك حينما تفعلُ شيئًا، كأن تشرب قهوةً مثلًا، فأنت تطبق عملية على القهوة، وإذا أخذت مثلًا مكعبات ووضعتها بعضها فوق بعض، فأنت هكذا طبقت عملية على “مجموعة من المكعبات”، هذه العملية -تجاوزًا- هي “رص المكعب الأول على السطح، ثم رص المكعبات التالية على المكعب العلوي”، وهذا هو مفهوم العملية بشكلٍ عام.
  3. مسلمات معينة: ما هي المسلمات المعينة؟ -لن نستطرد في شرح معنى “المسلمة” فهذا بحث محله مقال آخر-، لكن، ما الذي يهمّنا في هذه المسلمات التي تحققها المجموعة والعملية عليها؟ ما يهمنا فيها، هو أن نضع قيودًا على “مجموعة الأشياء” و”العملية”، لكي تتحق البُنية الجبرية، وهذه الشروط هي بحد ذاتها تعريف البنية الجبرية، فمثلًا، أحد الشروط في بُنية “الزمرة Group”، أنه لو أخذت 3 عناصر من المجموعة، وطبقت عليها العملية، فلا يهم الترتيب أبدًا، سواءً طبقتها على الأول ثم الثاني ثم الثالث، أو الثاني ثم الثالث ثم الأول، فالنتيجة واحدة، ولاحظ أننا هنا وضعنا قيدًا على العملية، إن طبقته على عناصر المجموعة فهذا يعني أنه هناك احتمال أن تكون هذه الأشياء مع العملية زمرة(لأن هناك 3 مسلمات أخرى للزمرة لن أتطرق لها هنا)، مع الانتباه هاهنا أن طبيعة العناصر والعملية مهمة جدًا، فأحيانًا عملية مع مجموعة تكون بُنية جبرية، ومع أخرى لا تكوّن بنية جبرية، والأمر ذاته ينطبق على المجموعة.

الجبر المجرد، ينطلق كما أرى وأعلم من هذه الثلاثة مفاهيم، وستجد الرياضيين يرمزون للمجموعة بـ \(S\) مثلًا، وللعملية بـ \(*\)، ويقولون بأن هذا الشيء: \( (S,*) \)، نظام. لكن يا صاحبي، لا تغرّنك هذه الرموز، فما هي إلا المفاهيم البسيطة التي وضحتها أعلاه، لكن لماذا هذا التعقيد الرمزي؟ كأي علم، يجد أهله صعوبة في التواصل والفهم بعضهم، لذلك قاموا بتطوير هذه الرموز والعلامات لتسهيل التواصل، ثم تدرج الموضوع إلى دراسة الأسس المنطقية للرياضيات، والتي أفضت إلى تعريف هذه الأمور تعريفًا منطقيًا، ولا زالت مشاكل أسس الرياضة إلى اليوم مطروحة.

الآن، ماذا بعد هذه المفاهيم الثلاثة؟ ستجد لدى الرياضيين عدة بنى جبرية، بعضها جزء من بنية أكبر منه، وآخر يأخذ من هذا ويترك من ذاك، وهذه أشهر البنى الجبرية:

  1. الزمرة Group، وما هي إلا تمثيلٌ للانعكاس، والتوازن الموجود في الطبيعة.
  2. الزمرة الأبيلية Abelian Group ، وما هي إلا زمرة لكن نضيف لها خاصية الإبدال-لن أتطرق لها هنا-.
  3. الحلقة Ring ، وما هي نظام بعمليتين، تحقق كل منهما مسلمات معينة، أحدها يجب أن تكون زمرة(أي أن الحلقة هي تعميم للزمرة).
  4. الحقل Field ، وما هو إلا حلقة مع مسلمات أخرى.(أي أن الحقل هو تعميم للحلقة).
  5. Vector Space، أو فضاء المتجهات، وهو مزيج بين عدة مسلمات بعضها تكون بنية جبرية معروفة، وأخرى مستقلة.

إذن ما الفائدة من كل هذا؟ الفائدة، أننا نستطيع الآن وباستخدام التجريد، أن ندرس أي شيء في الكون يحقق هذه الأشياء، أي أننا نستطيع معرفة أشياء عديدة جدًا عمّا ندرس، إذا تأكدنا من أن ما ندرسه يحقق عدّة نقاط وحسب! تصورت معي؟ فلو كان الكون مثلًا يحقق كونه زمرة، نستطيع أن نعرف الكثير عن الكون الكبير!، وللاستزادة هنا الصياغة الرياضية للنموذج المعياري في الفيزياء ، وهنا الصياغة الرياضية للكوانتم ميكانيكس، نستطيع القول أنها أمثلة لما يمكن للجبر المجرد أن يفعله.

والسلام.

  • فارس.

عودةٌ إلى الكتابة.

مرحبًا.

متى كانت آخرُ مرةٍ نشرتُ فيها شيئًا يخص ما أكتب؟ لستُ أذكر، لقد مضى زمنٌ طويل، وتبدلت ظروف الحياة، واختلفت، وما عادت الأمور كسابقتها.. وأعتقد أنه قد ناسبت الظروف للعودة إلى الكتابةِ من جديد.

وليس يهم الآن سوى اسمي، وأني أعيشُ الآن بعيدًا غريبًا، في غرفةٍ صغيرةٍ، لا تتجاوز مساحتها ستة عشرة بلاطةً مربعة.. أعيشُ، بين كتبٍ، وموسيقى، وأمورٍ أخرى، دون التقاءٍ كثيرٍ بالبشر.

لا زلتُ أدرس في الجامعة، ولم أتخرج بعد، ولا زلتُ أحارشُ الحياة وتحارشني مراتٍ عدة، ولا زلتُ غير راضٍ كفايةً عن نفسي وما بلغته، وما زلتُ أحاول أن أصل إلى ما أريد.

أحب العلوم، ولا شيء أحبَّ إلى قلبي منها، سوى كوب القهوةِ الأبيض، كوبِ القهوةِ الصغير، الذي يعينني على أن أستزيدَ منها يومًا تلو آخر، دونما تعبٍ أو أرق.

وكوني أحبُّ العلوم، فهذا يعني أن لي نظرتي الخاصة تجاهها، وأني كما أولئك المشتغلين بها، اللهم لم أبلغ علمهم بعد، لاختلاف العمر ليس إلا، لكن هذا لا يعني ألا يقف، وأقول: لستُ مقتنعًا بما تقول، لا أرى منطقًا فيما تحاول أن تصل إليه، إن كنتُ فعلًا أعتقد ذلك بإيمانٍ داخلي، دونما ظلمٍ أو تعدٍ على الآخر، ففي آخر المطاف: كلنا بشر، وكلنا لا زلنا نتعلم من كتاب هذا العالم الكبير، ونخطئ كثيرًا.

ونتيجةً لما سبق، قبيل أيامٍ، حسمتُ أمري فيما يخصُّ ما أدرس في الجامعة، أدرسُ الرياضيات، لكنني لا أراها كما يراها أهلها، فوقفت أمام أحد دكاترتنا، وقلتُ له ما أرى، أني أختلف معهم في النظر، وحسمتُ ذلك النزاع الذي بداخلي تجاه ما أتعلم، وكان متقبلًا لهذا نوعًا ما، ومحبطًا من جهةٍ أخرى، لكنني أعتقدُ في قرارة نفسي أني فعلتُ الصواب، لأن طبيعة العلوم تقتضي الاختلاف، ولولا الخلاف لما قام كثيرٌ من العلم.

أعيشُ الآن، ولستُ أعلم عن المستقبل، لكنني لا زلت أحاول التلقُّفَ على المعرفة، والاستزادة منها قدرَ المستطاع، وأدركُ يقينًا، أنه ما من قوّة أقوى من المعرفة، وأن العلوم فيها صلاحُ الإنسان وسعادته، وفيها أيضًا تكمنُ القوّة القادرة على أن تُسقط دولًا، وحكومات، فأيُّ النجدينِ أيها الإنسان ستختار؟ فأيُّ النجدينِ أيها الإنسان ستختار؟.

بالنسبةِ لي، اخترتُ الأول، اخترتُ أن أسخّر ما أعرف للغير، لأني أدركتُ في مرحلةٍ ما، أن كل ما أتعلمه، وكل ما أعرفه، لا فائدة منها إطلاقًا إن لم يصل إلى الناس، وإن لم يغيّر من حياتهم وذواتهم، ويرفع عنهم الجهل الذي هم فيه، وليسَ الجهلُ هاهنا عيبًا، بل العيبُ كل العيب في أن تجهل جهلك، وما الإنسان إلا بحاجة إلى ما ينفضُ اعتقاده الأخير، ليدرك مكانه ومكانته في هذا العالم.

قد تسأل يا صاحبي، ومن أنتَ لتفعل هذا كلّه؟ سأقول، جوابًا عليك: كفايّ من نفسي أني امرئٌ مدركٌ لتفاصيل جهله أكثر من علمه، ويكفي بهذا أن أنقلَ ما أعرف إلى الآخر، وينقل الآخر لي ما يعرف، وخُذِ الحكمة ولو من فاهِ مجنون.

وما هذه إلا خواطرٌ في نفسي، ربما سأدأبُ على كتابتها بشكلٍ يومي، وربما سأتوقف في لحظةٍ من العمر، لستُ أعلم، لكنها محاولةُ لإنسان يعبّر عن نفسه وسط هذا العالم، الذي لا زال يومًا تلو آخر يحاول أن يفهمه بشكلٍ جيد، ويكتشف أنه لا زال ينقصه الكثير.

والسلامُ..

-فارس.